☰
✕

قائمة الموقع

من منصات التفوق إلى مقاعد الخوف: الجامعة الإسلامية بين إنجاز العلم ووجع القصف

2026-10-27T10:36:00+02:00
فلسطين أون لاين

قبل بضعة أيام فقط، كانت الجامعة الإسلامية بغزة تعلن خبرًا يستحق الفرح: تقدمت خمس مراتب في تصنيف QS للجامعات العربية لعام 2027، لتصل إلى المرتبة الثامنة والسبعين عربيًا، والثالثة فلسطينيًا، والأولى بين جامعات قطاع غزة.

وفي يوم الأحد 25 أكتوبر 2026، يخرج من الحرم الجامعي خبر مختلف تمامًا: قصف إسرائيلي أثناء وجود الطلبة في محاضراتهم، وإصابة خمسة منهم، بعضها بالغة الخطورة، إضافة إلى استشهاد ثلاثة من العاملين في الجامعة، هم سامي بارود وأشرف دحلان وشادي أبو عطايا.

بين الخبرين مسافة قصيرة في التقويم، لكنها شاسعة في المعنى. ففي مكان طبيعي، تُترجم المرتبة الأكاديمية المتقدمة إلى مزيد من الثقة والفرص والمشاريع، أما في غزة، فيتزامن الاحتفاء بالإنجاز مع السؤال الأكثر بداهة والأشد إيلامًا: هل يستطيع الطالب أن يحضر محاضرته ويعود إلى منزله سالمًا؟

لم يكن التقدم في التصنيف خبرًا معزولًا. ففي الأيام السابقة، أعلنت الجامعة حضورًا لافتًا لمجلاتها العلمية في تقرير «آرسيف» لعام 2026؛ إذ حققت مجلة الدراسات التربوية والنفسية المرتبة الثامنة عربيًا في علم النفس، ومجلة الدراسات الاقتصادية والإدارية المرتبة الحادية عشرة في تخصصها، ومجلة الدراسات الشرعية والقانونية المرتبة العشرين في الدراسات الإسلامية، كما نشرت الجامعة قائمة بأفضل عشرة باحثين لديها في النشر بمجلات مفهرسة في Scopus خلال الأعوام 2024–2026.

وبلا شك، وراء هذه الأرقام باحثون وأساتذة وطلبة لم يتوقفوا عن الإيمان بأنّ المعرفة تستحق الجهد، حتى في ظروف تكاد تسلب الإنسان قدرته على التفكير في الغد؛ لكنّ الأرقام لا تقول كل شيء، فهي لا تحصي ليالي القلق والخوف، ولا الثمن الإنساني الذي يدفعه من يتمسك بحقه في التعلم.

وقبل عشرة أيام، دعت الجامعة خريجيها وخريجاتها إلى اختيار أقرب مكان للمشاركة في احتفالات التخرج، استعدادًا لاستلام روب التخرج والاحتفال بنهاية سنوات الدراسة.

كم تبدو هذه التفاصيل عادية في أي مكان آخر من العالم، وكم تبدو استثنائية في غزة!

أن يختار الخريج مكان احتفاله، وأن يستعد لارتداء روب التخرج، وأن يتخيل صورة تجمعه بأهله، ليست أحلامًا كبيرة. إنها تفاصيل الحياة التي يُفترض أن تكون حقًا بديهيًا لكل طالب بعد سنوات من الدراسة والتعب.

لكن غزة، التي كانت تستعد لتصوير فرحة التخرج، وجدت نفسها اليوم أمام صور أخرى؛ صور الخوف والإصابات وأخبار الفقد.

ثم جاء صباح الأحد 25 أكتوبر، الذي تحولت فيه مقاعد الدراسة من منصة للعلم إلى شاهد على الخوف. إن أخطر ما في هذا المشهد لا يقتصر على توقف المحاضرات؛ فالخطر الحقيقي أن يفقد الطالب الشعور بأنّ الجامعة مساحة آمنة، وأن تتحول رحلة طلب العلم إلى حساب يومي لاحتمالات الإصابة والعودة. فالضرر لا يصيب المباني وحدها؛ إنه يصيب الذاكرة والثقة وإحساس جيل كامل بأنّ المستقبل ممكن.

والأشد قسوة أنّ هذا الخوف لا ينتهي بانتهاء صوت الانفجار؛ إنه يرافق الطالب إلى دفاتره، ويجلس معه أمام شاشة المحاضرة، ويطارد أسرته كلما تأخر عن العودة.

كيف يركز عقل على مسائل الطب والهندسة والاقتصاد، وهو منشغل بمصير أحبائه؟ وكيف تطلب من الشباب خططًا للمستقبل بينما يُنتزع منهم الاطمئنان إلى حاضرهم؟ وعليه، يصبح استهداف بيئة التعليم جرحًا ممتدًا وعميقًا ومؤلمًا في المجتمع كله؛ لأنه يعطل إنتاج المعرفة ويستنزف طاقة الأجيال على البناء والتعافي.

من هنا، لا يكفي أن يصفق العالم لتقدم الجامعة الإسلامية في المؤشرات العلمية، ثم يكتفي بالتعبير عن القلق حين تتعرض حياة طلبتها للخطر؛ المطلوب حماية المؤسسات التعليمية والعاملين فيها، وإجراء تحقيقات جدية في الاعتداءات، ودعم متواصل لاستعادة التعليم بوصفه حقًا لا امتيازًا. فوفق أحكام القانون الدولي الإنساني، الجامعة الإسلامية ليست رقم 78 في جدول، ولا مبنى ينتظر الترميم، ولا حفل تخرج مؤجلًا، إنها وجوه وأسماء وأحلام، وأمهات ينتظرن عند الأبواب، إنها صورة مكثفة لغزة التي تحاول، رغم كل شيء، أن تتعلم وتبني وتفرح.

نرغب أن يكون خبر الجامعة المقبل افتتاح مختبر أو تكريم باحث أو تخريج دفعة جديدة، لا إصابة طالب في طريق العلم. نريد أن يدخل الشباب قاعاتهم حاملين كتبهم، وأن يعودوا إلى بيوتهم حاملين أحلامهم، فلا معنى لأي تقدم أكاديمي إذا صار الوصول إلى قاعة الدرس امتحانًا في النجاة، وأبسط حقوق الإنسان ألا يضطر إلى الاختيار بين تعليمه وسلامته.

في غزة، لم يعد المطلب معجزة: نريد جامعة لا نشعر بالخوف فيها؛ ونريد حياة لا يكون مجرد البقاء فيها إنجازًا.

اخبار ذات صلة