﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41].
أخطر ما يصيب الأمم أن تألف جراحها؛ أن يصبح جوع الطفل مشهدًا معتادًا، والخيمة عنوانًا دائمًا، والشهيد رقمًا يعبر الشاشة ثم يغيب. هناك يبدأ انطفاء الضمير، ويصبح الصمت عبئًا آخر على أكتاف المحاصرين.
ومن فوق الركام، يقرع القرآن أبواب القلوب:
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41].
إنها صيحة توقظ الإرادة، وتردّ الإنسان إلى مسؤوليته.
لكل قادر نصيب من الواجب؛ للطبيب علمه، وللمعلم رسالته، وللإعلامي أمانة الحقيقة، وللحقوقي حجته، ولصاحب المال قدرته على إغاثة الملهوف، ولصانع القرار مسؤوليته التي تتسع باتساع سلطته.
غزة تنادي هذه الطاقات جميعًا. ففي كل مستشفى يئنّ واجب، وفي كل مدرسة مهدّمة مستقبل ينتظر من يحميه، وفي كل خيمة أسرة تستحق سقفًا وأمانًا وكرامة.
غير أن النفير يحتاج بصيرةً تنظّم اندفاعه: أهدافًا واضحة، وأدوارًا متكاملة، ومؤسسات تحرس العطاء من التبدد.
فالبطولة تحتاج إسنادًا، والتضحية تحتاج إدارة، والصمود يحتاج موارد تحفظ استمراره.
وحين تتكامل المعرفة والمال والإعلام والقانون والدبلوماسية، يصبح التعاطف قدرةً تصنع أثرًا.
وتبقى الأخلاق حارسة هذا الطريق:
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
فالعدل والرحمة وحماية الأبرياء أصول تمنح الفعل معناه، وتمنع الغضب من إفساد عدالة القضية.
لقد طال البلاء، وأثقل الانتظار قلوب أهل غزة؛ فلا تجعلوا طول المحنة سببًا لفتور النصرة.
اجعلوا الإغاثة عملًا مستدامًا، والتعليم عهدًا، وحماية الحقيقة رسالة، وإسناد الحقوق مشروعًا تتوارثه المؤسسات والأجيال.
ستبقى غزة شاهدةً على صبر أهلها، وشاهدةً على استجابة العالم لندائهم. وسيبقى السؤال عند ضمير كل قادر: ماذا صنعت بما أملك؟ أيَّ جرح خففت؟ وأيَّ باب للحياة فتحت؟
من بين الركام يرتفع النداء: أنقذوا الإنسان، واحموا الحق، واجمعوا الطاقات؛ فكل يد تمتدّ بصدق تفتح نافذةً للفجر.