☰
✕

قائمة الموقع

محمود أبو رياش.. شاهدٌ على المجازر وناجٍ يحمل ذاكرة الفقد

2026-10-26T11:12:00+02:00
محمود أبو رياش.. شاهدٌ على المجازر وناجٍ يحمل ذاكرة الفقد
فلسطين أون لاين

لم تكن الحرب بالنسبة إلى محمود عبد الجليل أبو رياش، البالغ من العمر 26 عامًا، مجرد قصفٍ أجبره على مغادرة منزله في بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، بل سلسلة من المجازر والمشاهد القاسية التي عاشها مع عائلته، وانتهت بفقدان شقيقه ووالده، واعتقال شقيقه الآخر، في رحلة نزوحٍ لم تترك لهم سوى ذاكرة مثقلة بالخوف والفقد.

فمنذ الأيام الأولى لحرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، تعرّض منزل العائلة والمنطقة المحيطة به لتهديدات بالقصف، في محاولة لدفع السكان إلى النزوح. اضطر محمود وأفراد أسرته إلى مغادرة منزلهم واللجوء إلى مدرسة خليفة بن زايد في مشروع بيت لاهيا، شمالي القطاع، ظنًا منهم أن جدرانها قد تحميهم من نيران الحرب.

ولكن الملاذ الذي احتموا به لم يكن بمنأى عن الموت، فبعد نحو شهرين من المجازر المتواصلة، تعرضت المدرسة للقصف وسقط شهداء وجرحى من النازحين، بينهم والد محمود الذي أُصيب في قدمه ورأسه.

يستعيد محمود تلك اللحظات قائلًا: "هربنا من القصف بحثًا عن الأمان، فإذا بالموت يلاحقنا إلى المدرسة. سقط الشهداء والجرحى أمام أعيننا، وكان والدي بينهم، ولم نكن نملك ما يكفي لإنقاذ المصابين أو تخفيف آلامهم".

وعقب القصف، فُرض حصار إسرائيلي على المدرسة استمر أسبوعًا كاملًا، إذ كانت المدرسة محاطة بالآليات العسكرية، وتعذّر خلاله وصول سيارات الإسعاف لنقل الجرحى، في حين اضطر النازحون إلى الاعتماد على نقطة طبية داخل المدرسة محدودة الإمكانات ولا تكفي مستلزماتها البسيطة لمواجهة حجم الإصابات.

وبحسب قوله، كانت الأيام تمر ثقيلة على الكبار والصغار، والخوف يتسلل إلى قلوب الجميع، فيما كان محمود يراقب والده المصاب عاجزًا عن توفير العلاج اللازم له.

ويضيف لصحيفة "فلسطين": "أقسى ما يمكن أن يعيشه الإنسان أن يرى والده يتألم أمامه ولا يستطيع مداواته، وأن يسمع أصوات القصف ولا يعرف إن كان سيخرج من المكان حيًا".

وتحت وطأة القصف وتحليق الطائرات المسيّرة، أُجبرت العائلات على إخلاء المدرسة والسير على الأقدام، في حين اضطر محمود لحمل والده الذي كان يعاني بترًا سابقًا في قدمه اليسرى، قبل أن يصاب في قدمه اليمنى ورأسه، فشقوا طريقهم عبر شارع صلاح الدين، وسط انتشار الآليات العسكرية والحواجز والتفتيش، في حين اصطحبوا الأطفال الصغار بقلوب مرتجفة.

وبعد رحلة شاقة تمكنت العائلة المكوّنة من ستة أفراد من الوصول إلى مجمع الشفاء الطبي، وفق قول محمود، حيث نُقل والدهم لتلقي العلاج. لكن المستشفى، الذي لجأ إليه المصابون والنازحون طلبًا للنجاة، سرعان ما أصبحت مسرحًا لفصل جديد من المعاناة.

ففي 18 مارس/ آذار 2024، بدأ الاقتحام الإسرائيلي الثاني لمجمع الشفاء. وكان والد محمود برفقة والدته وشقيقه، قبل أن يُعتقل الشقيق، وتخرج الأم مع النساء المرافقات، بينما بقي المرضى في ظروف بالغة الصعوبة، وسط نقص الرعاية الطبية وغياب الإمكانات اللازمة لعلاجهم.

وأشار إلى أن الأسرة عاشت نحو عشرين يومًا من القلق على مصير الأب، دون أن تعرف إن كان لا يزال على قيد الحياة بعد الإصابة.

وبعد انسحاب قوات جيش الاحتلال هرع محمود إلى المستشفى، بحثًا عن والده الذي طال انتظاره، لكن اللقاء الذي تمناه لم يحدث؛ فقد وجد والده جثة هامدة، وعلى رأسه آثار اعتداء، وفق روايته، فيما بدا جسده منهكًا وقد انخفض وزنه إلى النصف.

ولم تكن صدمة فقدان الأب وحدها؛ فقد شاهد محمود جثامين وأشلاء الشهداء في محيط المستشفى وداخله، بينها جثامين متفحمة وأخرى ظهرت عليها علامات التحلل، وأجساد بدت عليها آثار تقييد الأيدي. وفي أعقاب الانسحاب، أعلن الدفاع المدني في غزة العثور على نحو 300 شهيد في مجمع الشفاء ومحيطه.

وكانت العائلة قد تلقت ضربة موجعة قبل ذلك، حين استشهد شقيق محمود في يناير/ كانون الثاني 2024، بعدما خرج لجلب كيس من الطحين وسط المجاعة التي عصفت بشمال القطاع، فاستُهدف ولم يعدّ.

أما بالنسبة لمحمود، فقصته لا تقتصر على فقده لأفراد من عائلته ومعاناة النزوح فحسب، بل أصبح شهادة إنسانية على حرب انتزعت منه شقيقه ووالده، وغيّبت شقيقه الآخر خلف القضبان، وتركته شاهدًا على مشاهد المجازر التي لا تفارق ذاكرته.

وبين منزلٍ نزح منه قسرًا، ومدرسةٍ حوصرت، ومستشفى فقد فيه والده، يحمل محمود أبو رياش رواية عائلةٍ دفعت من أرواح أبنائها ثمنًا باهظًا للحرب، ولا تزال آثار مأساتها حاضرة في كل تفصيل من حياته.

اخبار ذات صلة