من بقايا الثلاجات والغسالات المعطلة، وألواح الحديد المتناثرة بين المنازل المدمرة، يصنع نازحون في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة أفراناً بدائية تعمل بالكرتون، في محاولة لتوفير مصدر رزق لعائلاتهم، ومساعدة النازحين على مواجهة أزمة غاز الطهي والحطب، مع اقتراب فصل الشتاء.
وتحوّلت هذه المهنة بالنسبة إلى إبراهيم أبو ديب، الذي كان يعمل في دهان السيارات ويدير ورشة تضم عشرة عمال في المنطقة الشرقية من خان يونس، إلى وسيلة للبقاء بعد أن أجبرته حرب الإبادة على النزوح، وأفقدته عمله ومصدر دخله، ليجد نفسه مضطراً إلى جمع الخردة وتحويلها إلى أفران يبيع الواحد منها مقابل عشرات الشواكل.
يقول أبو ديب لصحيفة "فلسطين" إن استمرار حرب الإبادة وطول أمد النزوح دفعاه إلى البحث عن عمل بديل، بعدما بات الجلوس من دون عمل عاجزاً عن توفير أبسط احتياجات أسرته، موضحاً أن صناعة الأفران تدرّ عليه نحو 30 شيكلاً يومياً، وهو مبلغ محدود، لكنه أفضل من انعدام الدخل كلياً.
ويضيف أن هذه المحاولة لا تقتصر على تأمين احتياجات أسرته، بل توفر للنازحين وسيلة للطهي داخل خيامهم، بعيداً عن الاعتماد على الآخرين أو البحث عن بدائل مكلفة في ظل شح الوقود.
الخردة تتحول إلى مصدر رزق
يتنقل أبو ديب بين المناطق المدمرة بحثاً عن الثلاجات والغسالات المعطلة، ويشتري بعضها بأسعار تتراوح بين 50 و100 شيكل، قبل تفكيكها واستخراج ألواح الصاج منها، ثم قصّها وثنيها وتثقيبها لتتحول إلى أفران معدنية بسيطة.
ولا تحتاج صناعة الفرن الواحد، وفق أبو ديب، إلى أكثر من ساعتين أو ثلاث ساعات من العمل، ويمكنه إنتاج فرنين إلى ثلاثة أفران يومياً، يبيعها للنازحين الذين يبحثون عن وسيلة متاحة لإعداد الطعام.
ويشير إلى أن بعض زبائنه يأتون من مناطق بعيدة، في ظل الحاجة المتزايدة إلى هذه الأفران، لا سيما مع اقتراب الشتاء واستمرار أزمة غاز الطهي ونقص الحطب.
ويشرح أن الفرن يمكن تشغيله بقطع من الكرتون، بما يتيح استخدامه في إعداد الطعام والخبز والمشروبات، ويوفر بديلاً متاحاً للأسر التي لا تستطيع الحصول على وسائل الطهي المعتادة.
لكن العمل في جمع الخردة وتصنيع الأفران لا يخلو من المخاطر، إذ يضطر أبو ديب إلى التحرك بين المناطق المدمرة بحثاً عن المواد التي يحتاج إليها، في ظل استمرار الظروف الأمنية الصعبة.
ويقول: "هينا بنجري عالموت عشان نجيب صاج وحديد عشان نطعمي الأطفال"، في إشارة إلى المخاطر التي تحيط بمحاولته تأمين لقمة العيش لأسرته.
ولا يرى الرجل في هذه المهنة نهاية الطريق، بل مرحلة مؤقتة يواصل خلالها البحث عن أي فرصة متاحة للعمل، موضحاً أنه إذا تراجعت الحاجة إلى الأفران، فسيتجه إلى صناعة المواقد البدائية أو أي منتجات أخرى يمكن أن توفر دخلاً لأسرته.
من أربعة دونمات إلى صناعة الأفران
على نحو مشابه، وجد وسام قديح، النازح من بلدة عبسان الكبيرة إلى أحد مخيمات النزوح في خان يونس، نفسه مضطراً إلى تغيير مهنته من الزراعة إلى صناعة الأفران المعدنية، بعدما فقد القدرة على استثمار أرضه الزراعية وتأمين احتياجات أسرته.
وكان قديح يعتمد على زراعة أربعة دونمات لتوفير مصدر رزق لعائلته، لكن حرب الإبادة وما رافقها من نزوح وتدهور الأوضاع المعيشية أجبراه على التخلي عن عمله السابق، والبحث عن وسيلة أخرى لإعالة خمسة أفراد.
ويقول لـ"فلسطين" إن الحياة باتت شديدة الصعوبة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وشح مصادر الطاقة، مضيفاً أن نقص الغاز والحطب دفعه إلى تصنيع الأفران لتوفير بديل للنازحين، وفي الوقت نفسه إيجاد مصدر دخل يساعده على الاستمرار.
ويجمع قديح المواد اللازمة لصناعته من الشوارع والمنازل المدمرة، ويشتري الثلاجات والغسالات المعطلة، فيما يحصل على ألواح الزينكو والحديد التالف من أصحابها، قبل إعادة استخدامها في تصنيع الأفران.
ويؤكد أن فكرته جاءت استجابة لحاجة الناس، الذين يعانون صعوبة الحصول على غاز الطهي والحطب، مشيراً إلى أن عمله يساعد على توفير وسيلة للطهي تتناسب مع الإمكانات المحدودة للنازحين.
ويقول قديح إن لديه خمسة أفراد يعجز عن تأمين احتياجاتهم الأساسية في الظروف الراهنة، في تعبير عن حجم الضغوط التي تواجه العائلات التي فقدت مصادر دخلها بفعل حرب الإبادة.
مهن جديدة لمواجهة واقع النزوح
تكشف تجربة الرجلين جانباً من التحولات التي فرضتها حرب الإبادة على حياة المواطنين في قطاع غزة، إذ لم يعد كثيرون قادرين على ممارسة أعمالهم السابقة، فاضطروا إلى البحث عن مهن بديلة تتناسب مع واقع النزوح، وشح المواد الأساسية، وتراجع فرص العمل.
وبينما يحاول أصحاب المهن التقليدية استعادة أعمالهم، يتجه آخرون إلى إعادة تدوير مخلفات الحرب والدمار، وتحويلها إلى أدوات يحتاج إليها السكان في حياتهم اليومية، في مسعى يجمع بين تلبية الاحتياجات المعيشية وتوفير دخل، ولو كان محدوداً.
ولا تعني هذه المبادرات أن أصحابها تجاوزوا آثار حرب الإبادة أو استعادوا استقرارهم الاقتصادي، لكنها تعكس محاولاتهم التكيف مع واقع يزداد صعوبة، مع فقدان الأراضي وورش العمل ومصادر الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة.
وبالنسبة إلى أبو ديب وقديح، لا يتعلق الأمر بصناعة أفران من الحديد المستعمل فحسب، بل بمحاولة الحفاظ على قدرة أسرتيهما على الصمود، وعدم الاستسلام للبطالة والعوز.