كان الطلبة في قاعاتهم الدراسية داخل مبنيين استطاعت الجامعة الإسلامية بمدينة غزة استصلاحهما من مبانيها المدمرة، يقعان في الجزء الجنوبي الغربي، والأجواء التعليمية تسير بصورتها الاعتيادية داخل حرم الجامعة، إذ بُذلت جهود كبيرة لإعادة الطلبة إلى حياتهم التعليمية والعملية.
كانت بعض الطالبات يجلسن في ساحة بالخارج مخصصة للاستراحة، وليس بعيدًا عن المكان يعيش آلاف النازحين داخل أبنية الجامعة المدمرة، قبل أن يدوي صاروخ إسرائيلي ويستهدف الساحة التي تجلس فيها الطالبات اللواتي أصيب عدد منهن.
في لحظة تغير المشهد في الحرم الجامعي، وبدلا من أن تجلس الطالبات على مقاعدهن الدراسية بعد الاستراحة، امتزجت كتبهن بالدماء الناتجة عن الإصابات وصرخات استغاثة وألم من شدة الإصابات التي لحقت بهن كما أظهر فيديو متداول للحظات الأولى للاستهداف، ونقلن بواسطة الإسعافات إلى أسرّة المستشفيات، وسادت حالة من الذعر والفوضى في صفوف الطلاب والأكاديميين، وعلى أثره علقت الجامعة الدراسة الأكاديمية.
مجزرة مروعة
على الرغم من حالة الإخلاء التي شهدتها الجامعة، وبقاء الحراس وبعض الإداريين والإدارة العليا في الجامعة، فإن ذلك لم يمنع الاحتلال من استهداف ثلاثة حراس في مجزرة مروعة استشهد على أثرها ثلاثة حراس هم: سامي بارود، وأشرف دحلان وشادي أبو عطايا، لتمتزج دماؤهم بالأرض التي شهدت على إخلاصهم في عملهم على مدار سنوات طويلة، حفظتهم فيها الجدران كما حفظتهم ذاكرة أجيال طلاب تعاقبوا على الدراسة في الجامعة خلال تلك السنوات.
لحظة الاستهداف كانت طالبة الإعلام (لغة انجليزية) نقاء قنوع تدرس في داخل إحدى القاعات حول الإعلام والصحافة، لتجد نفسها أمام درس عملي، واختبارها الميداني الأول في حدث وقع في نفس المكان الذي تدرس فيه واهتزت على أثره جدران القاعات الدراسية، لتخرج ومباشرة تضع هاتفها بوضع تسجيل وتوثق الحدث في لحظاتها الأولى.
تقول قنوع لصحيفة "فلسطين" وعلامات الصدمة لا تزال تحتل نبرتها: "لا أحد يستوعب ماذا يحدث! كيف لطالب أن يذهب للدراسة فجأة في منتصف المحاضرة يتم استهداف الجامعة؟".
ومن المشاهد التي وثقتها قنوع لحظة إصابة طالبة طب كانت تدرس على حاسوبها في الاستراحة، وأمامها والدها الذي كان يحدثها، إذ تعرضت الطالبة لإصابة خطرة ولا تزال في العناية المكثفة حتى الآن.
ومن زاوية أخرى يروي محمد منير الحداد وهو أحد موظفي الجامعة، أن حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف صباح أمس، دوى صوت انفجار قوي وكان قريبا، يقول: "خرجنا من مكاتبنا لرؤية الحدث فوجدنا عددا من الطلاب وغالبيتهم طالبات مصابين إصابات متفاوتة في الظهر والبطن والوجه نتيجة سقوط صاروخ من طائرة إسرائيلية دون طيار، وتناثرت الشظايا على أجساد الطالبات والسيارات".
وأضاف لصحيفة "فلسطين": "قبل وصول سيارات الإسعافات، تعاملنا مع المصابين بعيادة طبية بسيطة داخل الجامعة حاولت إسعافهم، فقررت الجامعة تعليق الدوام حفاظا على سلامة الطلاب والأكاديميين. قبل الحدث كانت الأجواء طبيعية، لأن الجامعة من أوائل الجامعات التي عادت للدوام الوجاهي بالرغم من حالة الدمار الكبير في أبنيتها، واعتقدنا أننا سنمضي يوما دراسيا اعتياديا".
وتابع: "تبقى الحراس وإدارة الجامعة والأكاديميون. جلس الحراس على كراسي بلاستيكية على مدخل المبنى التعليمي، جلست مع الحارس سامي بارود على كرسي بجواره، ومازحته عن جمال هندامه لكونه من الشخصيات الرائعة أخلاقا وأدبا وذوقا وهنداما وقلت له: "ما شاء الله عليك. هيتك هية مدير" ثم قمت عن الكرسي وجلس عليه أشرف دحلان وعدت لمنزلي. بعد خمس دقائق من مغادرتي المكان سمعت صوت انفجار فكانت الصدمة باستهداف الحراس واستشهاد الحارسين بارود ودحلان اللذين كنت قد جلست معهما إضافة للشهيد شادي أبو عطايا".
رسالة بالنار
ويصف الشهيد بارود الذي يعمل ضمن قسم خدمات الحرم الجامعي "الحراسات" بأنه إنسان خلوق، ودائما يستقبل الآخرين بابتسامة ويتمتع بذوق كبير في ارتداء الهندام، أما شادي أبو عطايا الذي يعمل في قسم خدمات النظافة فهو أيضا خلوق وخدوم ويؤدي مهامه بتجهيز المكاتب والقاعات لتكون جاهزة لاستقبال الطلاب، وأشرف دحلان الذي امتاز بالطيبة والخلق الرفيع والتفاني في العمل، لافتا إلى أن الاستهداف كان رسالة بالنار لمنع العملية التعليمية.
أما هبة البلعاوي وهي موظفة في دائرة العلاقات العامة بالجامعة، فتحكي عن الحدث: "كنت على رأس عملي في الجامعة الإسلامية بغزة، وكأي يوم عادي، كنت أمارس مهامي الوظيفية خلال الدوام الوجاهي للطلبة، وكانت الحياة الجامعية تسير بصورة طبيعية، والطلبة كانوا موجودين في قاعاتهم ومرافق الجامعة لمتابعة محاضراتهم. لم أكن أتوقع أن يتحول هذا اليوم إلى حدث استثنائي يحمل كل هذا الخوف والقلق وأن نواجه لحظات صعبة لم نكن نتخيل أن نعيشها داخل الحرم الجامعي".
وتحكي البلعاوي لصحيفة "فلسطين": "كان القصف مفاجئا، وجاء في وقت كان فيه الطلبة يمارسون حياتهم الجامعية بصورة طبيعية، وفجأة تحول المشهد إلى حالة من الخوف والارتباك، وسط أصوات القصف وحالة الذعر التي انتابت الطلبة والعاملين. كان المشهد صعبا ومؤلما، خاصة مع وجود الطلبة في الحرم الجامعي، وما رافق الحدث من مشاهد للإصابات والخوف على سلامة الجميع".
وتابعت: "في تلك اللحظات، كان همنا الأول هو الاطمئنان على الطلبة والعاملين، ومحاولة التعامل مع الموقف بما تقتضيه الظروف، واحتواء حالة الخوف والذعر وتوجيه الطلبة ومساعدتهم قدر الإمكان، مع الحرص على سلامتهم. لم يكن الأمر سهلا، فحين تجد نفسك أمام هذا المشهد، وأمام طلبة يعيشون الخوف والصدمة تشعر بمسؤولية كبيرة تجاههم، وتدرك أن واجبك الإنساني والمهني يحتم عليك التماسك ومساندتهم، على الرغم مما تشعر به أنت أيضا من خوف وقلق".
ولفتت إلى أنه جرى توجيه الطلبة نحو إخلاء الجامعة والعودة إلى بيوتهم، وكان هناك عدد من الإصابات في صفوف الطالبات اللواتي كنَّ في المكان، مبينة أن عدد الإصابات بلغ 5 إصابات بينهن حالة خطرة، ثم وقع الحدث الثاني الذي أدى لاستشهاد ثلاثة من موظفي الجامعة ممن يعملون في أمن الجامعة ويحفظون أمن وسلامة الموظفين والطلبة.


