قال رئيس الوحدة الفنية في الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق المقدسيين، خليل التفكجي، إن تصاعد عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في القدس المحتلة "يعكس سياسة متكاملة تقوم على التضييق العمراني والديموغرافي على الفلسطينيين، من خلال تقييد البناء، وتعقيد إجراءات الحصول على التراخيص، وتوسيع المشاريع الاستيطانية، بما يفاقم أزمة السكن ويهدد استقرار العائلات المقدسية وحقها في البقاء في مدينتها".
وأوضح التفكجي، الخبير في شؤون الاستيطان، لصحيفة "فلسطين" أمس، أن عمليات الهدم في القدس المحتلة تأتي في سياق سياسة أوسع من التضييق على المقدسيين، تتجلى في فرض قيود مشددة على البناء والتوسع العمراني الفلسطيني، بالتوازي مع مواصلة المشاريع الاستيطانية الرامية إلى تغيير معالم المدينة وواقعها الديموغرافي.
وأضاف أن ما يجري في القدس يتجاوز هدم منزل أو إزالة منشأة؛ "نحن أمام واقع تُحاصر فيه الأسرة الفلسطينية بين استحالة الحصول على ترخيص بناء، وارتفاع تكاليف السكن، والتهديد المستمر بهدم منزلها. عندما يُمنع الفلسطيني من البناء بصورة طبيعية، ثم يُعاقب على اضطراره إلى توفير مأوى لأسرته، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بترخيص البناء وحده، بل بمستقبل وجوده في المدينة".
وبحسب بيانات رسمية نشرت مؤخرا فقد هدمت سلطات الاحتلال أكثر من 430 منزلاً ومنشأة في القدس المحتلة منذ بداية عام 2026، في حين بلغ عدد أوامر الهدم الإدارية والقضائية في المدينة 23 ألفاً و280 أمراً، وأن نحو 33% من منازل المقدسيين مهددة بالهدم، وأن أكثر من 1200 مقدسي تقدموا بطلبات للحصول على تراخيص بناء خلال العام الجاري، في حين لم تتجاوز نسبة الحاصلين على التراخيص 1%.
ورأى التفكجي أن هذه الأرقام تكشف حجم الفجوة بين احتياجات السكان الفعلية وسياسات التخطيط والبناء المفروضة عليهم، قائلاً: "حين يتقدم أكثر من ألف ومئتي مواطن بطلبات ترخيص، ولا يحصل على الموافقة سوى عدد محدود للغاية منهم، فإن ذلك يضعنا أمام أزمة تتجاوز قدرة الأفراد على استيفاء الشروط والإجراءات. المقدسي يحتاج إلى منزل يؤويه، وإلى مساحة تكفي أبناءه، وإلى إمكانية ترميم مسكنه أو توسيعه مع نمو أسرته، لكن هذه الاحتياجات الطبيعية تصطدم بقيود تجعل البناء القانوني أمراً بالغ الصعوبة".
وأضاف: "لا يمكن فصل سياسة الهدم عن سياسة التخطيط التي تسبقها. فالمنزل لا يُهدم في لحظة صدور القرار فقط؛ إذ تبدأ المعاناة عندما تعجز الأسرة عن الحصول على الترخيص، وتستنزف مواردها في المعاملات والمحامين والمهندسين، ثم تجد نفسها أمام أمر هدم قد ينتهي بفقدان المأوى الذي أمضت سنوات في بنائه. بهذا المعنى، يصبح التهديد بالهدم جزءاً من الحياة اليومية للمقدسيين، وليس حادثة استثنائية".
ولفت التفكجي إلى أن عمليات الهدم تطال أحياء فلسطينية متعددة، بينها سلوان والطور وبيت حنينا وجبل المكبر، في وقت تتواصل فيه المشاريع الاستيطانية في مناطق مختلفة من القدس المحتلة، الأمر الذي يستدعي، قراءة هذه التطورات ضمن سياق أوسع يرتبط بمستقبل الأحياء الفلسطينية وحدود توسعها العمراني.
وقال: "عندما ننظر إلى خريطة القدس، يجب ألا نكتفي بعدّ المنازل التي هُدمت، بل علينا أن ندرس أين تقع هذه المنازل، وما الذي يجري في محيطها، وكيف تتغير البيئة العمرانية من حولها. ففي الوقت الذي تواجه فيه العائلات الفلسطينية قيوداً شديدة على البناء، تتقدم مشاريع استيطانية في مواقع مختلفة، ما يثير تساؤلات جوهرية بشأن التفاوت في فرص التطور العمراني، وانعكاس ذلك على مستقبل الوجود الفلسطيني في المدينة".
وتابع أن الأثر الأشد خطورة للهدم يظهر في الأحياء التي تواجه، إلى جانب أوامر الهدم، إجراءات إخلاء ودعاوى قضائية تهدد السكان بفقدان منازلهم. واستشهد في هذا السياق بما تشهده سلوان، ولا سيما حيي البستان وبطن الهوى، من ضغوط متزايدة على العائلات الفلسطينية.
وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قد حذرت، في تقرير نشرته في 17 حزيران/يونيو 2026، من تصاعد عمليات هدم المنازل والإخلاء في سلوان. وأشارت إلى أن أكثر من ألفي شخص يواجهون خطر التهجير القسري في المنطقة، وأن حي البستان، الذي يضم 115 منزلاً تؤوي نحو 1500 شخص، يواجه خطر الهدم في ظل مخطط بلدي لإقامة حديقة أثرية. كما نقلت عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن 587 فلسطينياً هُجّروا بسبب عمليات الهدم منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأن نحو ربعهم تعرضوا للتهجير خلال آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026.
وقال التفكجي: "عندما تواجه مئات العائلات خطر فقدان منازلها، فإن الحديث يدور عن مستقبل أحياء فلسطينية كاملة. المنزل هو المكان الذي تتشكل فيه ذاكرة العائلة، وينشأ فيه الأطفال، وتتصل فيه الأجيال بتاريخها ومحيطها الاجتماعي. وعندما يُهدم هذا المنزل أو تُجبر الأسرة على مغادرته، فإن الخسارة لا تقتصر على الجدران، بل تمتد إلى الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والإنساني".
وأوضح أن إجبار المواطنين على هدم منازلهم بأنفسهم يضاعف الأعباء النفسية والمالية التي يتحملونها، إذ يجد أصحاب المنازل أنفسهم أمام خيارين قاسيين: تنفيذ الهدم بأيديهم لتجنب بعض التكاليف الإضافية، أو انتظار وصول آليات الهدم وتحمل تبعات العملية.
وأضاف: "أن يُجبر الإنسان على هدم بيته بيديه، بعد أن عاش فيه سنوات وربما قضى عمره في بنائه، فهذه تجربة قاسية تتجاوز الخسارة المادية. الأسرة لا تفقد سقفاً فوق رأسها فحسب، بل تجد نفسها مطالبة بالبحث عن مأوى بديل، وتحمل نفقات جديدة، والتعامل مع مستقبل مجهول، خصوصاً عندما تكون من ذوي الدخل المحدود أو تضم أطفالاً وكباراً في السن".
وأشار التفكجي إلى أن تداعيات الهدم تشمل كذلك المحال التجارية والورش والمنشآت الاقتصادية، التي تشكل مصدر دخل لعائلات مقدسية كثيرة، محذراً من أن تدمير هذه المنشآت يضعف قدرة السكان على الصمود، ويزيد من أعباء المعيشة في ظل ارتفاع تكاليف السكن وصعوبة إيجاد بدائل مناسبة داخل المدينة.
وأكد أن مواجهة هذه السياسات تتطلب توثيقاً منهجياً لأوامر الهدم والإخلاء، ومتابعة طلبات الترخيص والقرارات الصادرة بشأنها، إلى جانب توثيق الأضرار التي تلحق بالعائلات والمنشآت، وتوفير الدعم القانوني والإنساني للسكان المهددين.
وشدد على ضرورة عدم التعامل مع كل عملية هدم بوصفها حالة منفصلة عن غيرها، قائلاً: "المطلوب هو قراءة المشهد كاملاً، من قرار التخطيط إلى رفض الترخيص، ومن صدور أمر الهدم إلى إخلاء الأسرة، ومن خسارة المنزل إلى التداعيات التي تطال الحي والمجتمع المقدسي. فالتعامل مع كل حالة باعتبارها ملفاً منفرداً يحجب الصورة الأوسع، بينما تكشف متابعة الحالات مجتمعة حجم الضغط الذي يتعرض له السكان".