قال عضو المجلس الوطني الفلسطيني تيسير الزابري، إن قرار رئيس السلطة محمود عباس، تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية إلى 11 سبتمبر/ أيلول 2027، بدلاً من الموعد السابق المحدد في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026 للانتخابات التشريعية، يشكل تراجعًا عن استحقاق ديمقراطي طال انتظاره.
وحذر الزابري، في حوار مع صحيفة "فلسطين" أمس من تداعيات استمرار الحكم بالمراسيم الرئاسية وتعيين أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، وما يرافق ذلك من مخاطر على شرعية المؤسسات التمثيلية وقدرتها على الرقابة والمساءلة.
وقال: إن قوى سياسية وشخصيات وطنية ومؤسسات حقوقية وهيئات رقابية اعترضت على قرار التأجيل، معتبرة أن تمديد الموعد لنحو عشرة أشهر إضافية لا يمكن التعامل معه باعتباره تأجيلاً إجرائيًا محدودًا بل يثير مخاوف من تكرار تجربة عام 2021، حين أرجأ عباس الانتخابات الفلسطينية قبل أن تُلغى.
وأضاف: الذرائع التي تُطرح لتبرير التأجيل سواء المتعلقة بالقدس أو بالأوضاع في قطاع غزة، سبق أن نوقشت، مشيرًا إلى أن لجنة الانتخابات المركزية أكدت استعدادها لإجراء الانتخابات وتوفير المتطلبات اللازمة لضمان نزاهتها رغم الظروف السياسية والميدانية المعقدة.
تجارب سابقة
وأوضح الزابري، أن لجنة الانتخابات المركزية تمتلك خبرة قانونية وفنية متراكمة وأن نظام التمثيل النسبي الكامل يتيح البحث عن آليات مناسبة لمشاركة الناخبين في مختلف المناطق الفلسطينية بما فيها القدس وقطاع غزة، دون أن تتحول القيود الإسرائيلية إلى مبرر لإلغاء الاستحقاق الانتخابي.
وأشار، إلى أن لجنة الانتخابات أبدت استعدادها للتعامل مع العقبات التي قد تواجه العملية الانتخابية، معتبرًا أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب الإمكانات الفنية أو الرقابية وإنما في القرار السياسي المتعلق بإجراء الانتخابات من عدمه.
وتابع: التذرع بالحوار الوطني لتبرير التأجيل غير مقنع في ظل التجارب السابقة لجولات المصالحة التي عقدت في عدد من العواصم من بينها القاهرة وموسكو والجزائر وبكين إضافة إلى مكة، دون أن تنجح في إنهاء الانقسام بصورة مستدامة.
ورأى أن استمرار الدعوة إلى حوارات جديدة دون تنفيذ الاتفاقات السابقة يؤدي إلى استنزاف الوقت وإطالة أمد الأزمة السياسية، مشددًا على ضرورة العودة إلى المسار الانتخابي بدلاً من إبقاء المؤسسات الفلسطينية رهينة الخلافات والتفاهمات غير المنجزة.
وأكد الزابري، أن الانتخابات التشريعية تمثل مدخلاً أساسيًا لاستعادة دور المجلس التشريعي في الرقابة على أداء السلطة التنفيذية ومحاسبة المسؤولين عن إدارة المال العام ومناقشة الموازنة العامة وضمان خضوع القرارات الحكومية للقانون.
وحذر من أن استمرار تعطيل المجلس التشريعي يفاقم أزمة الثقة بين المواطنين والقيادة السياسية ويحرم الفلسطينيين من إحدى أهم الأدوات الدستورية لمراقبة أداء المؤسسات العامة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تجديد النظام السياسي وتعزيز شرعيته الشعبية.
تساؤلات جوهرية
وفيما يتعلق بتشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، اعتبر عضو المجلس الوطني: أن اللجوء إلى تعيين الأعضاء بدلاً من اعتماد آليات تمثيلية ديمقراطية يثير تساؤلات جوهرية بشأن شرعية المؤسسة وقدرتها على التعبير عن الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه.
وقال الزابري: إن الخطر لا يقتصر على تعطيل المجلس التشريعي بل يمتد إلى طبيعة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني الذي يفترض أن يمثل مختلف التجمعات الفلسطينية، بما فيها الفلسطينيون في الشتات.
وأضاف: أن الاعتراضات على آليات التعيين برزت بين أوساط وشخصيات وحركات سياسية وشعبية فلسطينية في عدد من المناطق من بينها "سوريا ولبنان والكويت ودول أوروبية وأميركا الشمالية والجنوبية"، معتبرًا أن هذه المواقف تعكس رفضًا لتجاوز الإرادة الشعبية في اختيار ممثلي الشعب الفلسطيني.
وأعرب عن مخاوفه من أن يؤدي تشكيل المجلس الوطني بهذه الطريقة إلى إضعاف شرعية المؤسسات الفلسطينية، ولا سيما إذا طُرحت مستقبلاً ترتيبات تمنح المجلس دوراً في اختيار الرئيس أو في تحمل مسؤوليات مرتبطة بالانتخابات الرئاسية.
وشدد على أن القضية تتجاوز أسماء الأعضاء وآليات توزيع المقاعد لتتعلق بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني ومدى استناده إلى التفويض الشعبي وقدرته على تمثيل الشعب الفلسطيني بمختلف توجهاته وأماكن وجوده.
وفي هذا السياق، انتقد الزابري، توسع إصدار المراسيم الرئاسية، معتبرًا أن إدارة الشأن العام عبر قرارات تصدر بصورة منفردة بدلاً من مؤسسات تشريعية فاعلة تضعف الرقابة والمساءلة وتثير تساؤلات بشأن الأسس القانونية والدستورية التي تستند إليها القرارات.
وأكد عضو المجلس الوطني، أن القوانين والأنظمة ينبغي أن تصدر وفق الإجراءات الدستورية المعتمدة وبما يضمن الفصل بين السلطات وعدم إحلال القرارات الفردية محل المؤسسات المنتخبة، محذرًا من أن استمرار هذا النهج يفاقم أزمة الشرعية السياسية ويعمق الفجوة بين القيادة والمجتمع.
مبررًا التعطيل
وفي رده على التساؤلات بشأن ضمانات نزاهة الانتخابات وشفافيتها، قال الزابري: إن الفلسطينيين راكموا خبرة مهمة في إدارة الانتخابات ومراقبتها وإن لجنة الانتخابات المركزية تتمتع بخبرة قانونية وفنية إلى جانب وجود هيئات رقابية محلية وإمكان الاستعانة بمراقبين عرب ودوليين.
وأشار إلى أن الطعون التي أثيرت بشأن الانتخابات السابقة كانت محدودة وأن وجود آليات قانونية للفصل في النزاعات الانتخابية يوفر ضمانات إضافية لحماية العملية الديمقراطية وحقوق المرشحين والناخبين.
واعتبر أن هذه المعطيات تؤكد أن العقبة الرئيسية لا تتعلق بغياب آليات الرقابة بل بمدى توافر الإرادة السياسية لإجراء الانتخابات وتمكين الفلسطينيين من اختيار ممثليهم بحرية.
وبشأن مشاركة الفلسطينيين في القدس المحتلة، شدد الزابري، على أن القيود الإسرائيلية لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لحرمان المقدسيين من حقهم في التصويت والترشح، داعيًا إلى البحث عن بدائل وآليات قانونية وفنية تضمن مشاركتهم.
وأوضح أن التطور في وسائل التصويت والاتصال يتيح من حيث المبدأ دراسة خيارات متعددة بالتعاون مع لجنة الانتخابات المركزية للتعامل مع القيود المفروضة على المدينة مع ضرورة الحفاظ على نزاهة العملية الانتخابية وضمان سرية التصويت.
وتابع: منع الانتخابات في القدس، أو عرقلة إجرائها يمكن أن يتحول إلى قضية سياسية وقانونية دولية باعتبار المدينة أرضًا فلسطينية محتلة وأن حرمان سكانها من اختيار ممثليهم يطرح مسألة احترام الحقوق السياسية والديمقراطية للشعب الفلسطيني.
وأكد الزابري، أن المطلوب هو تحويل هذه التحديات إلى حافز للتحرك السياسي والدبلوماسي وحشد الدعم الدولي لضمان مشاركة المقدسيين بدلاً من الاستسلام للقيود الإسرائيلية أو اتخاذها مبررًا لتعطيل الانتخابات في سائر الأراضي الفلسطينية.
وختم بالتأكيد أن القوى الرافضة لسياسة التأجيل ستواصل المطالبة بإجراء الانتخابات وتجديد المؤسسات الفلسطينية على أسس ديمقراطية، مشددًا على أن حق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه لا ينبغي أن يخضع للتجاذبات السياسية أو أن يبقى معلقًا إلى أجل غير معلوم.



