فلسطين أون لاين

الحرب أبادت أفراد عائلتها

حليمة أبو نصيرة.. ناجية وحيدة تواجه المرض وقسوة الحياة بلا سند

...
حليمة أبو نصيرة.. ناجية وحيدة تواجه المرض وقسوة الحياة بلا سند
خان يونس/ تامر قشطة:

"ما فيش حد، والدور راحت عن بكرة أبيها"، بهذه الكلمات تختصر حليمة أبو نصيرة (76 عامًا) حكاية الفقد التي تركتها وحيدة في مواجهة حياة لم تعد تشبه ما عرفته طوال سنوات عمرها؛ امرأة مسنّة نجت من الموت، لكنها وجدت نفسها أمام خسارة لا تعرف كيف تحصيها، بعدما غاب زوجها وأبناؤه وأحفاده وزوجته الثانية وأفراد آخرون من العائلة، وبقيت هي لتروي حكاية من رحلوا.

تجلس حليمة داخل خيمة في موقع القادسية غرب مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، مثقلة بأوجاع المرض وآثار حرب الإبادة وذكريات عائلة لم ينجُ منها أحد.

لا تحتاج إلى كثير من الأسئلة كي يظهر وجعها؛ فكلما حاولت استعادة أسماء أفراد عائلتها، عادت إلى العبارة ذاتها: "شو أعدّلك؟ شو أعدّ فيهم؟".

لم تكن حليمة موجودة في غزة حين اندلعت حرب الإبادة، فقد غادرت القطاع في 27 سبتمبر/ أيلول 2023، لتلقي العلاج في مستشفى المُطّلع في القدس المحتلة، وأقامت في فندق الصوانة.

كانت رحلة العلاج، التي سبقت اتساع دائرة الدمار بعد اندلاع حرب الإبادة تفصلها عن تفاصيل الحياة اليومية لعائلتها، لكنها لم تعزلها عن أخبار الفقد، إذ كانت الرسائل تصلها تباعًا، حاملة إليها أنباءً ثقيلة عن أقاربها الذين كانوا يستشهدون واحدًا تلو الآخر.

ومع مرور الوقت، تحوّلت الرسائل إلى سجل مؤلم لأسماء تعرفها جيدًا، قبل أن تعود إلى غزة، بعد أكثر من عامين من الغياب، لتواجه حقيقة أن من كانت تنتظر لقاءهم لم يعودوا موجودين.

تستعيد حليمة أسماء أفراد عائلتها بصوت تختلط فيه الحسرة بالتعب، فتذكر زوجها كامل حسين أبو نصيرة، وابنه كمال، وأحفاده حسين، ومحمد، ومعاذ، وسميرة، إضافة إلى زوجة زوجها الثانية مريم أبو نصيرة.

لكن هذه الأسماء ليست سوى جزء مما ترويه عن خسارتها؛ إذ تؤكد استشهاد أربعة من الأحفاد، وكنّة، وإخوة لزوجها، إضافة إلى آخرين من أفراد العائلة.

تتوقف حليمة عن سرد الأسماء، وكأن الذاكرة لم تعد تحتمل المزيد، ثم تقول لصحيفة "فلسطين": "توجعش قلبي، الله غالب". لا يبدو الصمت هنا فراغًا في الحديث، بل مساحة تُحاول فيها امرأة مسنّة أن تستوعب حجم ما حدث، في حين لا تجد الكلمات ما يكفي لوصفه.

لم تخسر حليمة أفرادًا من عائلتها فحسب، بل خسرت أيضًا البيوت التي جمعتهم، وما كان فيها من مقتنيات ومدخرات. تقول بحسرة: "كلهم استشهدوا، والبيوت والذهب والمال، كله راح".

وتضيف، أن الموت لم يتوقف عند الأسماء التي تعرفها منذ زمن، إذ تشير إلى أن أحد أفراد العائلة استشهد الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار نزيف الفقد حتى بعد دخول حرب الإبادة عامها الرابع.

b6623023-5a78-4813-b5ff-87fb1629e600.jpg
 

نجت بعيدًا عن الحرب

لم تكن حليمة في غزة حين بدأت حرب الإبادة، ولم تشاهد بعينيها ما جرى لعائلتها، لكنها عاشت تفاصيله عبر الرسائل التي كانت تصلها من هناك.

وبين سرير العلاج في القدس وانتظار الأخبار، كانت المسافة تفصل جسدها عن مكان الأحداث، لكنها لم تكن قادرة على إبعاد الخوف عن قلبها.

وحين عادت إلى القطاع مطلع هذا العام، لم تجد من يستقبلها من أفراد عائلتها. كان عليها أن تواجه واقعًا جديدًا، من دون الزوج، ومن دون أفراد العائلة الذين كانت تربطها بهم صلات الدم والحياة اليومية.

تقول: إنها تعيش وحدها، من دون أبناء أنجبتهم أو أسرة قريبة تسندها في شيخوختها، لتجد نفسها مضطرة إلى تدبير شؤونها اليومية في ظروف قاسية، بينما يزداد عبء المرض مع تقدم العمر.

وتستحضر حليمة الحروب السابقة التي عاشتها، بما فيها حرب عام 1967 وحرب عام 2014، لكنها ترى أن ما شهدته غزة في حرب الإبادة مختلف تمامًا عن كل ما عرفته من قبل.

وتقول: "عشنا حرب 1967 و2014، بس مش زي الحرب هذه! هذه عمرنا ما شفناها، هذا دمار شامل، حسبي الله عليهم".

54773b64-7ef9-4d31-b1be-d455e39fe3c9.jpg
 

خيمة ومرض ينهك جسدها

داخل خيمتها تحاول حليمة أن تعيش ما تبقى من أيامها وسط نقص حاد في الخدمات الأساسية، ولا يتوقف احتياجها عند الطعام والشراب ومستلزمات المعيشة، بل يمتد إلى أبسط مقومات الخصوصية والكرامة الإنسانية.

تقول: إنها لا تملك حمامًا داخل مكان إقامتها، وإنها تضطر إلى استخدام "جردل" وضعته بين عمودين من آثار القصف لقضاء حاجتها. هذا التفصيل اليومي القاسي يكشف جانبًا من معاناة المسنين والمرضى الذين يعيشون في خيام النزوح، بعيدًا عن المرافق الصحية والخدمات التي يحتاجون إليها.

وإلى جانب ظروف النزوح، تعاني حليمة مرض السرطان وأمراضًا مزمنة رافقتها لسنوات طويلة، فضلًا عن مشكلة في يدها تعيقها عن أداء الأعمال اليومية.

وتشير إلى أن لديها تقريرًا طبيًا أوصى بتحويلها للعلاج في جمهورية مصر، موضحة أن إعداد كمية قليلة من الخبز بات يرهقها بشدة، إذ تتورم يدها حتى عند عجن أربعة أرغفة وخبزها.

وتضيف: "لو عجنت أربعة أرغفة بالعدد وخبزتها، إيدي بتورم".

هذه المهمة البسيطة ليست تفصيلًا عابرًا في يومها، بل مثال على صعوبة اعتمادها على نفسها، مع غياب الأسرة التي يمكن أن تساعدها، واحتياجها إلى الرعاية الطبية في وقت تفتقر فيه إلى الاستقرار والمقومات الأساسية للحياة.

ولا تبدأ معاناة حليمة الصحية منذ اندلاع الحرب، فهي تروي أنها تعرضت لإصابة في ساقها قبل عام 1967، ومنذ ذلك الوقت توالت سنوات المرض ورحلات العلاج، لكن الحرب أضافت إلى أوجاع جسدها عبئًا آخر، يتمثل بفقدان العائلة والنزوح والعيش وحيدة في خيمة.

المصدر / فلسطين أون لاين