مع اقتراب فصل الشتاء واستمرار حرب الإبادة للعام الرابع تواليا، يستعد النازحون في مناطق مواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، لمواجهة مأساة جديدة، وسط خيام مهترئة تفتقر إلى مقومات الحماية، وأراضٍ منخفضة تتحول مع هطول الأمطار إلى برك من المياه والسيول التي تهدد حياتهم وممتلكاتهم القليلة.
هؤلاء الذين أجبرهم القصف الإسرائيلي على النزوح من مدينة رفح، لم يجدوا بعد سنوات من الحرب مكانًا آمنًا يُؤويهم، ولا بنية تحتية تحميهم من مياه الأمطار والصرف الصحي، فيما تتفاقم معاناتهم بفعل نقص المياه الصالحة للشرب والغذاء والأغطية ووسائل الإيواء، مع محدودية الإمكانات وعجزهم عن توفير أبسط لوازم الشتاء.
في مخيم الرحمة الجنوبي، يصف مندوب المخيم وليد ممدوح عيد النصاصرة واقع النازحين بأنه معاناة متواصلة منذ عامين ونصف العام، مشيرًا إلى أن الخيام المهترئة ومشكلة الصرف الصحي وغياب شبكات تصريف المياه تشكل أبرز التحديات التي تواجه آلاف العائلات.
ويقول النصاصرة لصحيفة "فلسطين" إن مياه الصرف الصحي تتسرب إلى الشوارع، في حين ينتشر البعوض والحشرات بين الخيام، متسببة في إصابة الأطفال بأمراض جلدية متكررة، في وقت لا يجد فيه النازحون حلولًا جذرية لمشكلاتهم.
ويضيف أن كثيرًا من الخيام لا تتجاوز كونها أغطية مثبتة على أخشاب، بعدما اضطر أصحابها إلى استخدام ما تبقى لديهم من أثاث وأخشاب لتوفير بعض الظل خلال الصيف، فكيف سيكون حالها أمام أمطار الشتاء ورياحه؟
ولا تتوقف المخاوف عند تهالك الخيام، إذ تتجمع المياه في الطرقات المنخفضة، وتتعذر أحيانًا عمليات شفطها بسبب صعوبة وصول المعدات إلى داخل المخيمات.
ويستذكر النصاصرة الشتاء الماضي، حين غمرت السيول خيمة في المخيم، وكادت تودي بحياة ثمانية أشخاص، قبل أن يتمكن الموجودون من إنقاذهم.
ويؤكد أن العائلات لا تستطيع الانتقال إلى أماكن أخرى في وجود الاكتظاظ الشديد وغياب البدائل، مطالبًا بتوفير خيام جديدة وشوادر ومياه وطرق مناسبة وشبكات للصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، محذرًا من تكرار الكارثة مع حلول الشتاء.
مياه تتسلل إلى الفراش والخيام
وفي منطقة أخرى من مواصي خانيونس، تعيش عيدة سليم النبعات مع أسرتها تحت تهديد المياه التي تتدفق من الطرقات والمناطق المجاورة إلى خيمتها المقامة في مجرى وادٍ، بعدما اضطرت إلى السكن هناك لعدم وجود مكان بديل.
وتقول النبعات إن المياه تتجمع حول الخيمة وتدخل إليها رغم محاولات الأسرة إقامة سواتر ترابية أمامها، موضحة أن ارتفاع المياه تجاوز في بعض المرات مترًا ونصف المتر، وأنها اضطرت إلى مغادرة خيمتها واللجوء إلى المصلى بعدما تسربت المياه تحت فراشها.
وتضيف أن أسرتها أمضت الشتاء الماضي وهي تنشر الفرشات المبتلة لتجفيفها، بينما لم تتمكن هذا العام من تجهيز أي وسائل حماية إضافية، رغم اقتراب موسم الأمطار.
وتتساءل بمرارة عن جدوى المناشدات المتكررة، قائلة إن العالم يشاهد معاناتهم منذ سنوات، لكنهم لا يجدون ما يخفف عنهم وطأة النزوح، ولا ما يحمي أطفالهم من الغرق والبرد.
غياب البنية التحتية يفاقم الكارثة
أما عبد الله خفاجة، النازح من رفح والمقيم في مخيم الإسراء، فيوضح أن المياه التي تصل إلى المخيم عبر صهاريج التوزيع تتسرب كميات قليلة منها إلى الأرض، فتغرق الخيام بسبب انخفاض المنطقة، “فكيف إذا جاء الشتاء بأمطاره ورياحه؟”.
ويقول إن النازحين حاولوا إقامة سواتر ترابية ووضع أكياس الرمل والحجارة لمنع تدفق المياه، لكن هذه المحاولات لم تحقق نتيجة تُذكر مع غياب شبكات تصريف المياه وعدم تهيئة الأرض، محذرًا من أن مياه الأمطار ستضاعف حجم الكارثة.
ويشير إلى أن المخيم بحاجة إلى تدخل جاد لمعالجة المشكلة من جذورها، بدلًا من ترك العائلات تواجه السيول كل شتاء بإمكانات محدودة لا توفر الحماية الكافية.
وفي مخيم بغداد، يؤكد مدير المخيم طالب القاضي أن نحو 140 أسرة تعيش أوضاعًا بالغة الصعوبة، وأن المياه تغمر قرابة ثلثي المخيم عند هطول الأمطار، وسط نقص حاد في الخيام المناسبة والشوادر ومستلزمات الحياة الأساسية ومياه الشرب.
ويقول القاضي إن العائلات لم تتمكن من الاستعداد للشتاء بسبب انعدام الإمكانات، مطالبًا بتنفيذ مشاريع لتصريف مياه الأمطار وتوفير المأوى والمساعدات الضرورية.
وبين خيام مهددة بالتمزق، وأرض تنتظر المطر لتتحول إلى مستنقعات، وأطفال يواجهون المرض والبرد، يستقبل النازحون شتاءهم الثالث وسط مخاوف من تكرار مشاهد الغرق والتشرد.
وبينما لا يملكون القدرة على تغيير واقعهم، تتجه مناشداتهم إلى الجهات المعنية والمؤسسات الإنسانية للتحرك العاجل، قبل أن تتحول مياه الشتاء إلى مأساة جديدة تضاف إلى سجل معاناتهم الممتدة على مدار سنوات الحرب.