فلسطين أون لاين

هندسة الإبادة والاقتلاع

لم يكن تهجير العائلات قسرا في الخليل حدثا معزولا عن واقع الضفة والقدس وقطاع غزة، حيث القتل والاعتقالات وهدم المنازل ومصادرة الأراضي، واعتداءات المستوطنين، وقطع أشجار الزيتون وحرق الممتلكات والاستيلاء على الأراضي بحماية جيش الاحتلال، واقع أشعل جذوة المقاومة من جديد، فجاءت عملية فرش الهواء البطولية لتعيد المواجهة إلى صدارة المشهد، قبل أن يرد الاحتلال بإجراءات وحشية وعقاب جماعي في الخليل.

 عائلات فلسطينية غادرت بيوتها قسرا، في صورة تستعيد ملامح المأساة التي عاشتها غزة؛ أمهات يجمعن الأغراض، وأطفال يتركون ألعابهم، وآباء يبحثون عن مأوى، في حين تبقى العودة مجهولة.

في الجلدة ودير بحة وفرش الهواء، تتكرر صور النزوح والتهديد والهدم، وتتحول البيوت من ملاذ آمن  لأماكن مهددة بالدمار، وحياة تتفكك تحت وطأة القوة العسكرية الغاشمة والاستيطان.

صباح الجمعة، خرج حمودة وأحمد الجعبة، إلى مدخل فرش الهواء في الخليل، ونفذا العملية الفدائية عند الحاجز والبرج العسكري للاحتلال، واستمرت المواجهة نحو عشرين دقيقة، تبددت فيها المنظومة الأمنية للاحتلال، وأسفرت عن مقتل جنديين وإصابة أربعة آخرين، قبل أن يرتقي الشابان شهيدين.

كانت المواجهة خاطفة، لكن ما وراءها لم يكن وليد لحظته، فالحاجز ليس مجرد نقطة عسكرية؛ إنه جزء من واقع يعيشه الفلسطينيون بين الإغلاق والتضييق والاقتحام، في حين تتسع المستوطنات وتتواصل الاعتداءات على الأرض والإنسان.

فالعملية لم تقع في فراغ، ولا يمكن فهمها بمعزل عن سياسات الاحتلال في الضفة والقدس وغزة، إنها تأتي في واقع تتراكم فيه أسباب الغضب، من القتل والتشريد إلى الاعتقالات ومصادرة الأراضي، وهدم البيوت وإحراق الممتلكات، فضلا عما شهده قطاع غزة من إبادة ودمار، فاستفزاز الفلسطينيين مستمر، وجرائم الاحتلال لا تتوقف، ولا يمكن اقتطاع الحدث من جذوره، وكأن التاريخ بدأ عند الحاجز وانتهى باستشهاد الشابين.

بعد العملية، وسع الاحتلال إجراءاته الوحشية، فاقتحم المنازل وشن الاعتقالات وأغلق الطرق، وأخلى عائلات من الجلدة ودير بحة، وهدم مباني سكنية في فرش الهواء، وهدد مباني ومحال تجارية. ولم تعد المسألة تقتصر على ملاحقة منفذي العملية، بل بات السكان يواجهون تبعاتها في بيوتهم وأرزاقهم، ويتعرضون للتهجير القسري ليلا.

هنا ينتهج الاحتلال منطق العقاب الجماعي، ليدفع المجتمع الفلسطيني ثمن تمسكه بأرضه وحبه للمقاومة، ويحول البيت والشارع ومصدر الرزق إلى أدوات ضغط وانتقام، في محاولة لتغيير وعي الفلسطينيين وكسر إرادتهم.

 في وجود صمت عالمي مقيت، يقدم الاحتلال إجراءاته بوصفها ردا على العملية، متجاهلا أن ما يجري في الضفة والقدس وغزة حصيلة سياسات مستمرة من القتل والاستيطان والحصار والتهجير.

هكذا تكتمل الصورة من فرش الهواء إلى الجلدة، ومن الخليل إلى غزة: احتلال ينتج أسباب المواجهة، ثم يوسع دائرة العقاب، ويقتل وينتقم ويلاحق الفلسطينيين ويهجرهم، وكأن الغاية إشباع نزعة الانتقام والقتل.

لكن التهجير والقتل لا يصنعان أمنا، ولا يمحو الهدم جذور الصراع، ولا ينهي تطلعات شعب إلى الحرية، بل ستظل البيوت التي أُخليت وهُدمت شاهدة على أن اقتلاع الإنسان من منزله لا يقتلع حقه في أرضه، وأن الوحشية لن تنهي حلم الفلسطينيين بالتحرير.

المصدر / فلسطين أون لاين