في خضم الموسم الفني الذي تستقطب به لندن جمهورها إلى صالات العرض، يخصص غاليري "ترامبس" مساحة لتوثيق الإبادة الإسرائيلية في غزة، عبر مشروع بعنوان "معرض بوصفه سجلّاً"، تتجاور فيه الصورة الصحافية والنحت والتصوير الفوتوغرافي، لتضع آثار الحرب أمام الجمهور وتطرح أسئلة عن الجسد الإنساني والعنف.
وقد أُطلق العمل بالتزامن مع أسبوع "فريز" الفني، مستفيداً من توقيته للوصول إلى جمهور أوسع، ويستمر حتى 12 ديسمبر/كانون الأول المقبل.
ويرى القائمون عليه أن الحد الأدنى من مسؤولية الوسط الفني هو الشهادة على ما يحدث، ورفض الصمت إزاء الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
من أبرز المواد المعروضة تسجيل بثّته قناة "الجزيرة" في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، يوثّق مؤتمراً صحافياً مرتجلاً نظّمه أطفال قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة. يظهر في التسجيل نحو عشرين طفلاً، يتقدّمهم صبي في العاشرة تقريباً يتحدث باسمهم مطالباً بالحماية.
يقف الطفل أمام الكاميرا، حاملاً نداءً يفترض أن يكون من أبسط حقوقه، بينما تحوّل المستشفى، الذي يُفترض أن يكون ملاذاً للعلاج وإنقاذ الحياة، إلى خلفية لاستغاثة عاجلة تطالب بوقف الحرب.
في هذا المشهد، تنقلب الأدوار على نحو فادح: طفل يطالب العالم بحقه في الأمان، في حين تعجز المؤسسات المعنية بحماية المدنيين عن توفيره.
وإلى جانب التسجيل، تُعرض منحوتة للفنان الإيطالي لوتشيو فونتانا، أنجزها عام 1941 بعنوان "جسد أنثوي عارٍ مستلقٍ"، قبالة صورة مطبوعة على مرآة فضية التقطها مصوّر "رويترز" محمد سالم في غزة عام 2023.
توثّق الصورة الفلسطينية إيناس أبو معمر وهي تحتضن جثمان ابنة شقيقتها سالي، البالغة خمس سنوات.
يضع هذا التقابل الجسد في سياقين متباينين: جسد تتناوله الرؤية الفنية، وآخر صار شاهداً على الفقد والموت في حرب تستهدف مقومات الحياة نفسها. أما المرآة، فتضاعف وطأة الصورة بإدخال المتلقي في مجالها، وتدفعه إلى مواجهة السؤال الأصعب: كيف يمكن للفن أن يستوعب الألم الإنساني من دون أن يفصله عن أسبابه، أو يحوّله إلى مشهد جمالي يُستهلك ثم يُنسى؟
يستند إلى شهادات مصوّرة كاستغاثات الأطفال ومشاهد نساء يحتضنّ جثامين أقاربهن
وفي الصالة الأخيرة، يُعرض عمل فوتوغرافي للفنان فيديريكو فيسبيغناني، أُنجز عام 2025، ويتألف من عشرين صورة مستمدة من تطبيقات للمواعدة، تُظهر ملفات شخصية لجنود إسرائيليين يخدمون في غزة.
حُجبت وجوه الجنود، بينما بقيت صورهم التي التقطوها لأنفسهم داخل منازل وفي مواقع دمّروها خلال الحرب.
وتكتسب هذه الصور دلالتها من التناقض بين حضور الجنود أمام الكاميرا والدمار المحيط بهم؛ إذ يصبح التوثيق الذاتي، الذي يُفترض أن يقدّم صورة عن أصحابه، شاهداً على وجودهم في أماكن خلّفت فيها الحرب آثارها على حياة الفلسطينيين وممتلكاتهم.


