فلسطين أون لاين

هشاشة الإمدادات تسحق الأمن الغذائي

دعوات لإنشاء مخزون إستراتيجي وتعزيز الإنتاج المحلي بغزة

...
دعوات لإنشاء مخزون إستراتيجي وتعزيز الإنتاج المحلي بغزة "صورة أرشيفية"
غزة/ رامي رمانة:

تتصاعد المخاوف من هشاشة منظومة الأمن الغذائي في قطاع غزة، مع تحكم الاحتلال بكميات الإمدادات الواردة، وما يرافق ذلك من مخاطر نقص المواد الغذائية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

وبين الدعوات إلى إنشاء مخزون إستراتيجي من السلع الأساسية، وتعزيز الإنتاج الزراعي والغذائي المحلي، وتشديد الرقابة على الأسواق وضمان عدالة توزيع المساعدات والبضائع، تبرز الحاجة إلى تحرك متكامل تشارك فيه المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والخبراء، لتفادي تكرار كوارث المجاعة والحرمان الغذائي، وتعزيز قدرة المجتمع على مواجهة أي انقطاع محتمل في الإمدادات.

ويحذّر استشاري وأخصائي التغذية والصحة العامة د. سمير راضي من استمرار المؤشرات المرتبطة بانعدام الأمن الغذائي في قطاع غزة، مؤكدًا أن الإعلان عن فتح المعابر لا يعني بالضرورة توافر الغذاء بالكميات الكافية، أو قدرة المواطنين على شرائه، أو ضمان تلبية احتياجاتهم الأساسية.

ab21ecea-053b-48e6-bcd3-e9df903de3ea.jpg
 

ويوضح راضي لصحيفة "فلسطين" أن ما يجري في القطاع يطرح تساؤلات خطيرة حول حقيقة الأمن الغذائي، وآليات إدخال المساعدات والبضائع، ودور الجهات المختلفة في إدارة هذا الملف، مشيرًا إلى أن أزمة انعدام الأمن الغذائي لا يمكن النظر إليها باعتبارها نتيجة فقط لشحّ الإمدادات والظروف الصعبة، إذ قد تتداخل معها سياسات وقيود وممارسات تجارية تسهم في تعميق معاناة السكان.

ويشير إلى وجود هندسة إسرائيلية للكارثة، من خلال التنسيق والتنفيذ مع جهات أممية وفلسطينية، سواء بصورة طوعية أو تحت الضغط، كما حدث سابقا في فترة المجاعة بمنع الإمدادات وشح الأغذية الرئيسية و استغلال البعض لهذا الواقع للتربح والازدهار وقت أن جوع الجميع وتوفي مئات المواطنين على مصائد الموت للحصول علي الغذاء و ارتقى أكثر من 400 مواطن بالتجويع، مؤكدا أن ذلك يستدعي التوثيق والمساءلة.

ويبيّن راضي أن من أبرز المؤشرات التي تستدعي الانتباه لتدهور الأمن الغذائي: استمرار شحّ المواد الغذائية الأساسية، وفي مقدمتها الدقيق والسكر والزيت واللحوم والأرز، وما يصاحب ذلك من ارتفاع في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. ويوضح أن توافر بعض السلع في الأسواق لا يعني بالضرورة قدرة الأسر على شرائها، خصوصًا الأسر الفقيرة التي تواجه صعوبات متزايدة في توفير احتياجاتها اليومية.

ويضيف أن تقليص المساعدات الإنسانية وبرامج برنامج الغذاء العالمي وغيره من المؤسسات الأممية يثير تساؤلات بشأن انعكاساته على الأسر الأكثر احتياجًا، لا سيما في ظل تراجع مصادر الدخل واتساع رقعة الفقر. كما يشير إلى أن شحّ الغاز المنزلي ووسائل إشعال النار الآمنة لا يقتصر تأثيره على صعوبة الطهي، بل يمتد إلى قدرة الأسر على إعداد وجبات مناسبة وآمنة للأطفال وكبار السن والمرضى.

ويلفت راضي إلى أن توافر سلع ثانوية، مثل الحلويات والمشروبات المحلّاة والكولا والشبسي وغيرها هي ليست من الضروريات وخاصة في الأزمات، في الوقت الذي تعاني فيه الأسواق نقص بعض المواد الغذائية الأساسية، ما يثير تساؤلات بشأن أولويات الاستيراد والتوزيع ومدى تلبية السلع المتاحة للاحتياجات الغذائية الفعلية للسكان.

رقابة جادة

وفيما يتعلق بالوضع الاقتصادي، يوضح أن شحّ السيولة النقدية والصعوبات المرتبطة بوسائل الدفع الإلكتروني وارتفاع تكاليف المعاملات تزيد من تعقيد الحياة اليومية للمواطنين، وتحدّ من قدرتهم على شراء احتياجاتهم الأساسية. ويضيف أن تركّز توريد السلع في أيدي عدد محدود من التجار، وما يصاحبه من احتكار أو مغالاة في الأسعار، يستدعي رقابة جادة وشفافية بشأن الجهات المستفيدة من هذه الظروف.

كما يحذّر من أن أي تقليص في خدمات المؤسسات الدولية، ولا سيما ما يتعلق بتقليص المساعدات والخدمات الإغاثية وتوفير مياه الشرب، من شأنه أن يفاقم المخاطر الصحية والمعيشية، ويزيد من هشاشة الأسر التي تعاني أصلًا نقص الغذاء.

ويدعو لتشكيل لجنة مهنية لتقييم الاحتياجات السكانية للاستيراد حسب الميزان الغذائي للدول  Food Balance Sheet وليس حسب حجم التربح للتجار والعائد المادي أو ما يفرضه الاحتلال.

وفي ما يتعلق باحتمالات تكرار المجاعة، يرى راضي أن عدم عودة المجاعة الشاملة إلى غزة لا ينبغي أن يكون أمرًا مفروغًا منه أو سببًا للاطمئنان المطلق، موضحًا أن استمرار نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية قد يؤدي إلى فترات جديدة من التجويع والحرمان الغذائي المتكرر، حتى إن لم تصل الأوضاع إلى مستوى المجاعة الشاملة. ويؤكد أن الوقاية والاستعداد والرقابة ضرورات أساسية وليست مبالغة أو تهويلًا.

وفي إطار الاستعداد للأزمات، ينصح راضي الأسر التي تسمح إمكاناتها بذلك بالاحتفاظ بمخزون منزلي معقول من الأغذية الأساسية، يشمل الدقيق، وزيت السيرج والزيوت النباتية، والسكر والملح، والأرز والمعكرونة، مع الحرص على تخزينها بطريقة سليمة وتدوير المخزون واستهلاك المواد الأقدم أولًا. ويشدد على ضرورة أن يكون التخزين بقدر الحاجة والإمكانات، دون تكديس قد يؤدي إلى زيادة الشحّ أو حرمان الأسر الأخرى من احتياجاتها أو تلف المواد الغذائية مع انعدام المسكن النظيف والأمن في الخيام.

0583e3ad-76a1-4e10-bd9d-268c4ca1cb93.jpg
 

صمام أمان

من جهته يؤكد الخبير الزراعي والبيئي م. نزار الوحيدي أن الزراعة الحضرية -التي تُعنى بالزراعة داخل المدن وعلى أسطح المنازل باستغلال المساحات المتاحة كافّة- تشكّل صمام أمان ورافداً أساسياً للتغذية وتقليل آثار الحصار المفروض.

ويوضح الوحيدي لصحيفة "فلسطين" أن الزراعة الحضرية تشمل شِقَّين رئيسيَيْن هما الإنتاج النباتي والحيواني؛ حيث يمكن للمواطنين تربية الدواجن أو الأرانب أو إنشاء مزارع سمكية منزلية صغيرة لدعم السلة الغذائية العائلية.

ويشدد الوحيدي على أهمية مبادرة "غذاؤنا من أيدينا"، وهي مبادرة أهلية محلية استشعرت مخاطر الأزمات الغذائية المتوقعة، ويسير عملها بجهود نخبة من الأكاديميين والخبراء.

ويشير إلى أن المبادرة حققت نجاحات ملموسة عبر توزيع بذور وأشتال مجانية على مئات المزارعين.

وعلى صعيد الإنتاج الحيواني، يشير الوحيدي إلى توزيع فقاسات بيض محلية الصنع ومضبوطة حرارياً ورطوبياً على عشرات المزارعين في مختلف مناطق قطاع غزة (الشمال والوسط والجنوب)، إلى جانب إدخال أصناف ملائمة من الدواجن لتشجيع الإنتاج المحلي، مؤكداً أن المشاريع المنزلية بدأت بالفعل في تسويق منتجاتها تحقيقاً للاكتفاء الذاتي.

2870bb48-4d9f-4257-bd37-4fc8f94e7e9d.jpg
 

خطط طوارئ

من جهته يدعو الخبير الاقتصادي محمود القشاش إلى إنشاء مخزون استراتيجي من السلع الغذائية الأساسية في قطاع غزة، ووضع خطط طوارئ تضمن استمرار توفير الاحتياجات الضرورية للسكان في حال إغلاق المعابر أو تعطل الإمدادات، محذرًا من أن الاعتماد شبه الكامل على المعابر، دون احتياطات كافية وآليات توزيع عادلة ورقابة فعّالة، يجعل المواطنين عرضة لصدمة قد تتجاوز تداعياتها الجوانب الاقتصادية والمعيشية.

ويضيف القشاش لصحيفة "فلسطين"، أن التجارب السابقة يجب أن تدفع نحو إنشاء مخزون استراتيجي يشمل الطحين والأرز والزيوت والسكر والبقوليات وحليب الأطفال، إلى جانب الاحتياجات الغذائية الضرورية الأخرى، ولا سيما السلع الأكثر استهلاكًا والأسرع نفادًا وارتفاعًا في الأسعار عند إغلاق المعابر.

ويشير إلى أن قطاع غزة دفع أثمانًا إنسانية باهظة خلال أزمة الغذاء السابقة، في وقت كان الاحتلال، يتنصل من مسؤوليته عبر وسائل الإعلام، بالإشارة إلى إدخال البضائع إلى القطاع، وإرجاع النقص إلى مزاعم "سرقة المساعدات" أو سوء توزيعها. ويشدد على أن مسؤولية الاحتلال عن القيود المفروضة على الإمدادات لا تعفي بقية الجهات من مسؤولياتها في ضمان عدم تكرار المجاعة، التي أودت بأرواح بشرية.

ويؤكد القشاش أن خطورة الأزمة لا تقتصر على نقص السلع، بل تمتد إلى احتمال استغلال هذا النقص لرفع الأسعار وحجب البضائع واحتكار الأصناف الأساسية، بهدف تحقيق مكاسب استثنائية على حساب الأسر التي أنهكتها الحرب وتدهورت أوضاعها الاقتصادية والمعيشية.

ويدعو إلى اتخاذ إجراءات حازمة بحق كل من يثبت تورطه في احتكار السلع أو تخزينها بقصد رفع أسعارها، مطالبًا بمحاسبة المخالفين وإخضاعهم للتحقيق وفقًا للقانون. كما يشدد على تفعيل الجهات المختصة الرقابة الاستباقية، ونشر بيانات واضحة حول المخزون المتاح والأسعار، ومحاسبة كل من تثبت مخالفته للقوانين والأنظمة المعمول بها.

ويقترح القشاش إنشاء مخازن استراتيجية للسلع الأساسية موزعة في مختلف أنحاء قطاع غزة، ومجهزة بوسائل التخزين التي تضمن سلامة الأغذية وجودتها، مع تحديد حد أدنى للمخزون يتناسب مع عدد السكان ومعدلات الاستهلاك اليومية، بما يضمن توافر الاحتياجات الأساسية خلال فترات انقطاع الإمدادات.

كما يدعو إلى إنشاء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة للمخزون الغذائي، توضح الكميات المتاحة لدى الجهات الحكومية والمؤسسات الإنسانية والموردين، بما يسهم في تحسين إدارة الموارد، وتحديد الاحتياجات الفعلية، وتفادي النقص المفاجئ في السلع الأساسية.

ويشدد على أهمية اعتماد خطة طوارئ خاصة بحالات إغلاق المعابر أو تعطل الإمدادات، تتضمن تحديد أولويات السلع الواجب توفيرها، وآليات توزيع المخزون المتاح، والبدائل اللوجستية الممكنة، وإجراءات الاستجابة الفورية لضمان استمرار وصول المواد الغذائية الضرورية إلى المواطنين.

ويؤكد أن بناء منظومة متكاملة للأمن الغذائي في غزة يتطلب الجمع بين توفير المخزون الاستراتيجي، والرقابة على الأسواق، وضمان عدالة التوزيع، ودعم الإنتاج المحلي، إلى جانب وضع خطط واضحة للتعامل مع الطوارئ، بما يقلل من مخاطر تكرار أزمات الغذاء ويحمي المواطنين من الاستغلال وارتفاع الأسعار.

المصدر / فلسطين أون لاين