تتجول المسنة صابرين المسحال، بين بسطات الخضراوات في نهاية شارع الجلاء بمدينة غزة، بحثًا عن أصناف تحتاج إليها لكنها تصطدم بنقص حاد في المعروض وغياب شبه كامل للفواكه عن الأسواق منذ أيام، في حين تواصل الأسعار ارتفاعها إلى مستويات تفوق قدرة معظم المواطنين الذين أنهكتهم حرب الإبادة وتداعياتها الاقتصادية والإنسانية.
وتقول المسحال، بغضب: إن بعض التجار والبائعين يرفعون أسعار السلع المتوافرة دون مراعاة الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها سكان القطاع، مع شح الأموال واتساع رقعة الفقر والاحتياج، متهمة بعضهم باستغلال حاجة المواطنين وإخفاء البضائع لتحقيق مكاسب على حساب معاناتهم.
وتضيف لصحيفة "فلسطين": "هل يعقل أن يرتفع سعر كيلو البطاطا -إن توافرت- من ستة شواقل إلى 30 شيقلًا، والبصل من ستة شواقل إلى 17 شيقلًا، في حين يصل سعر كيلو الطماطم إلى 15 شيقلًا بعدما كان بثمانية شواقل؟ من أين لنا أن نوفر الأموال لشراء احتياجاتنا الأساسية؟".
وتطالب المسحال، الجهات المعنية بمراقبة الأسواق ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار، داعية المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لضمان تدفق الخضراوات والفواكه والسلع الأساسية بصورة منتظمة، محذرة من أن استمرار النقص قد يدفع القطاع إلى مجاعة جديدة بعد المجاعات التي شهدها خلال حرب الإبادة الجماعية على غزة، نتيجة القيود الإسرائيلية المفروضة على المعابر والإمدادات.
ولا يختلف الحال كثيرًا عن المسن يوسف أبو حمام، الذي يشكو ارتفاع الأسعار واختفاء أصناف غذائية اعتاد المواطنون شراءها بأسعار أقل.
ويقول أبو حمام، لصحيفة "فلسطين": إنه اشترى كيلو الخيار بـ15 شيقلًا بدلًا من سبعة شواقل، وارتفع سعر كيلو الباذنجان من ثلاثة شواقل إلى سبعة، في حين قفز سعر كيلو الليمون من ثمانية شواقل إلى 30 شيقلًا، مشيرًا إلى أن هذه الارتفاعات تتزامن مع تراجع القدرة الشرائية للأسر التي باتت عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها.
ويضيف أنه تنقل بين عدة أسواق بحثًا عن بعض الفواكه لأحفاده لكنه لم يجد معظم الأصناف بينما تُباع الكميات المحدودة المتوفرة بأسعار تتجاوز 30 شيقلًا للكيلوغرام الواحد بعدما كانت أسعار بعض الأصناف تتراوح بين 12 و 15 شيقلًا.
ويتساءل أبو حمام، عن أسباب هذا الغلاء، مطالبًا بمحاسبة المستغلين وضمان وصول السلع إلى الأسواق، مؤكدًا أن المواطنين لم يعودوا قادرين على تحمل أعباء إضافية في ظل الحصار وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في القطاع.
قيود المعابر
وتشهد أسواق قطاع غزة منذ أيام أزمة حادة تتمثل في اختفاء أصناف الخضراوات والفواكه، إلى جانب اضطراب توافر سلع غذائية أخرى بينها البيض والمواد المجمدة والطحين ما انعكس مباشرة على الأسعار والقدرة على توفير الغذاء للأسر.
ويربط إبراهيم السلطان، أحد الباعة في شارع الجلاء بمدينة غزة، هذا النقص بعدم انتظام إدخال احتياجات القطاع من السلع في ظل القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة المعابر وكميات البضائع المسموح بدخولها.
ويقول السلطان، لصحيفة "فلسطين": إن عددًا من الأصناف اختفى من الأسواق خلال الأيام الأخيرة خصوصًا الخضراوات والفواكه والبيض وبعض المنتجات المجمدة، مشيرًا إلى أن انخفاض المعروض يدفع الأسعار إلى الارتفاع ويضاعف معاناة المواطنين.
ويحذر من أن استمرار هذه السياسة يهدد الأمن الغذائي للسكان، داعيًا الجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار، وما يسمى "مجلس السلام" إلى متابعة ما يجري على المعابر والضغط لضمان تدفق السلع الأساسية بدلًا من ترك المواطنين يواجهون تداعيات النقص والغلاء وحدهم.
ويضيف: المطلوب هو توفير الغذاء والدواء والاحتياجات الضرورية بصورة مستدامة وعدم السماح باستخدامها وسيلة للضغط على السكان في ظل ما يعانونه من أوضاع إنسانية واقتصادية بالغة الصعوبة.
اقتصاد منهك
من جانبه، يرى الخبير في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن اضطراب حركة المعابر وطبيعة السلع التي يُسمح بإدخالها إلى القطاع، يسهمان في وجود اختلالات واضحة داخل الأسواق سواء من حيث توافر المنتجات أو أسعارها.
ويقول أبو قمر، لصحيفة "فلسطين": إن إغلاق المعابر أو تقييد حركة البضائع حتى لفترات قصيرة ينعكس سريعًا على الأسواق في القطاع، بسبب اعتمادها الكبير على الإمدادات الخارجية إلى جانب انهيار الإنتاج المحلي وسلاسل التوريد خلال الحرب.
ويشير إلى أن السماح بدخول سلع محدودة مقابل نقص المنتجات الغذائية الأكثر إلحاحًا مثل الخضراوات والفواكه والبيض والطحين واللحوم يفاقم الاختلال بين العرض والطلب ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار في سوق يعاني أصلًا من شبه انعدام القدرة الشرائية لدى شرائح واسعة من السكان.
ويضيف أن الأزمة تتفاقم في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع مصادر الدخل واعتماد نسبة كبيرة من الأسر على المساعدات الإنسانية ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات الغذائية تهديدًا مباشرًا لقدرتها على توفير احتياجاتها اليومية.
ويحذر الخبير في الشأن الاقتصادي، من أن استمرار الاختلالات في التوريد قد يعيد مشاهد النقص الحاد لكنه يأمل أن تسهم الضغوط الرامية إلى إدخال السلع الأساسية في تخفيف الأزمة خلال الأيام المقبلة، مؤكدًا أن انتظام عمل المعابر وحده لا يكفي ما لم تتوافر الكميات اللازمة من المنتجات التي يحتاجها السكان فعلًا.
وتأتي أزمة الأسواق في وقت لا تزال فيه العديد من الأسر في قطاع غزة، تعاني آثار الحرب من تدمير مصادر الرزق والمحال التجارية والأراضي الزراعية إلى تراجع الإنتاج المحلي وصعوبة تأمين الغذاء بأسعار مناسبة.
وكانت مؤسسات دولية وإنسانية قد حذرت مرارًا من مخاطر انعدام الأمن الغذائي في القطاع، في وجود القيود المفروضة على دخول المساعدات والبضائع وتضرر البنية التحتية الزراعية والتجارية وتراجع قدرة السكان على شراء الغذاء.
ويزيد نقص الخضراوات والفواكه من صعوبة حصول الأسر على غذاء متنوع ومتوازن خصوصًا الأطفال والمرضى وكبار السن في حين تدفع الأسعار المرتفعة كثيرًا من العائلات إلى تقليص الكميات التي تشتريها أو الاستغناء عن أصناف غذائية أساسية.