جاء الخبر في سطرٍ واحدٍ قصير: برنامج الغذاء العالمي أوقف مساعداته عن نصف مليون شخص في غزة بسبب نقص التمويل.
سطرٌ واحد، لكنه ليس عابرًا، هو نصف مليون أمٍّ كانت تعرف موعد وصول الطرد، تنتظره ليس لأنه وفير، بل لأنه يستر البيت، ولأنه يعني أن أولادها سينامون دون أن يسألوا عن طعام.
هو نصف مليون أبٍ كان يحسب الشهر بالأرغفة لا بالأيام، يقول في سرِّه: إذا جاءت المساعدة سنمر، وإذا تأخرت سنتدبر، وكلمة «سنتدبر» هنا تعني أن يجوع هو ليأكل أطفاله.
هو نصف مليون طفلٍ لا يعرف معنى نقص التمويل ولا يقرأ البيانات، يعرف فقط أن كيس الطحين كان يدخل البيت، وأن أمه كانت تخبز، وأن رائحة الخبز كانت تعني أن البيت بخير.
نصف مليون إنسانٍ لن يطرق أحد باب خيمتهم هذا الشهر، لن يسمعوا عبارة «تفضلوا، هذه حصتكم»، ستبقى الأيادي ممدودة، والعيون منتظرة، والجواب صمت طويل.
لا أحد منهم اختار الجوع، ولا أحد منهم قرر أن يكون رقمًا يُشطب من قائمة، هم فقط وجدوا أنفسهم في مكانٍ ضيقٍ ووقتٍ ضيق، وكل ما طلبوه هو حدُّ الكفاف.
*حين نسمع عبارة «نقص التمويل» نراها كلمة باردة في الأخبار، لكنها هناك حكاية موجعة؛ معناها أن امرأة ستقسم الرغيف إلى أربعة أقسام، وأن جارة ستذهب إلى جارتها لتستعير حفنة عدس، وأن طفلًا سيسأل: لماذا خبز اليوم أقل؟ ولن تجد الأم إجابة*.
في غزة، إلغاء المساعدة لا يُفرغ الرف فقط، بل يُفرغ القلب من الطمأنينة، ويُطيل الليل، ويجعل التفكير في الغد وجبةً ثقيلةً لا تُهضم.
*نصف مليون إنسان اليوم لا يريدون خطابًا سياسيًا ولا تحليلًا اقتصاديًا، يريدون فقط أن يقولوا لأبنائهم: ناموا، غدًا سنأكل، وحتى هذه الجملة البسيطة باتت تحتاج إلى معجزةٍ وصبرٍ طويل*.
هناك أمٌّ تُخفي دمعتها كي لا يراها صغارها، وأبٌ يخرج صباحًا يبحث عن عملٍ ويعود مساءً بيدٍ فارغةٍ وقلبٍ عامرٍ بالدعاء، وطفلةٌ تقسم بسكويتها مع أخيها وتظن أن هذه هي القسمة العادلة للحياة.
نصف مليون ليس رقمًا باردًا، هم قلوبٌ تنبض، وأحلامٌ مؤجلة، وأدعيةٌ تُرفع في جوف الليل تقول: يا رب، أطعمنا من جوعٍ، وآمِنَّا من خوف.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا في سماء غزة: من يطعم نصف مليون قلبٍ إذا غاب الدعم؟


