فلسطين أون لاين

مخاوف شعبية تعكس تداخل أزمات الغذاء والنزوح والفقر

هندسة التجويع في غزة.. مساعدات تتقلص وعائلات تخشى مجاعة جديدة

...
هندسة التجويع في غزة.. مساعدات تتقلص وعائلات تخشى مجاعة جديدة
غزة/ مريم الشوبكي:

لم يعد القلق في قطاع غزة متعلقًا بموعد وصول المساعدات الغذائية الشحيحة فحسب، بل بقدرة العائلات على تدبير احتياجاتها بعدما تقلصت الحصص وارتفعت الأسعار، في وقت تفتقر الأسر إلى مصادر دخل تتيح لها شراء ما ينقصها من الأسواق.

ومع اقتراب الشتاء، تجد عائلات أنهكتها الحرب نفسها أمام معادلة أشد قسوة: مساعدات أقل، واحتياجات متزايدة، وبدائل لا تكفي لسد الجوع.

وتتفاقم المخاوف عقب إعلان برنامج الأغذية العالمي تقليص مساعداته في القطاع بنحو الثلث. ووفق البيانات الواردة عن البرنامج في أكتوبر/تشرين الأول 2026، انخفض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية والنقدية من 1.6 مليون شخص إلى 1.1 مليون، كما تراجع عدد الوجبات الساخنة التي يقدمها يوميًا من 250 ألفًا إلى 150 ألفًا، مع تقليص الحصص الغذائية المقدمة للأسر.

ولا تعني هذه الأرقام انخفاضًا في حجم الإغاثة فحسب، بل تعكس اتساع الفجوة بين احتياجات المواطنين وما يمكن أن يحصلوا عليه، ولا سيما مع القيود على دخول المساعدات وارتفاع أسعار المواد الأساسية.

حصص أقل

يخشى علاء عطا الله، البالغ 45 عامًا، أن يؤدي تقليص المساعدات إلى تفاقم الجوع بين الأسر التي تعتمد عليها في تأمين غذائها، ولا سيما أن الحصص السابقة لم تكن كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية.

ويقول عطا الله لصحيفة "فلسطين" : "السلة الغذائية التي كنا نحصل عليها لم تكن تكفي احتياجات الأسرة، وكنا نضطر إلى البحث عن مصادر أخرى لتوفير ما ينقصنا. أما الآن، فإن تقليص المساعدات يجعل الوضع أصعب، خصوصًا أننا لا نملك دخلًا ثابتًا نستطيع من خلاله شراء المواد الغذائية من الأسواق".

ويضيف أن ارتفاع أسعار الطحين والمواد الأساسية يضاعف معاناة الأسر، إذ لم تعد الخيارات المتاحة تسمح بتعويض النقص في المساعدات، فيما تتزايد الاحتياجات اليومية ولا تستطيع العائلات تأجيلها.

وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن التقليص يشمل عدد المستفيدين والطرود الغذائية والوجبات الساخنة، ما يضع مزيدًا من الضغط على الأسر التي تعتمد على الإغاثة موردًا أساسيًا لتأمين الطعام.

بدائل غائبة

وتجد سوزان حرز، البالغة 48 عامًا، نفسها أمام مخاوف متزايدة مع تقلص المساعدات وارتفاع تكاليف المعيشة، مع غياب مصادر دخل ثابتة تمكّن الأسر من شراء احتياجاتها.

وتقول حرز لصحيفة "فلسطين": "نحن بحاجة إلى المساعدات لأننا لا نستطيع توفير كل احتياجاتنا من الأسواق. الأسعار مرتفعة، وما يصلنا من مساعدات لا يكفي أصلًا، فكيف سيكون الحال عندما تقل الكميات أكثر؟ لا نعرف من أين سنعوض هذا النقص".

وتضيف أن التكايا الخيرية تمثل متنفسًا لبعض الأسر التي تعجز عن توفير الطعام، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلًا كاملًا عن المساعدات الغذائية، لأن الوجبة التي تحصل عليها الأسرة لا تضمن تأمين احتياجاتها لبقية اليوم.

وتزداد صعوبة الوضع مع تراجع عدد الوجبات الساخنة التي يدعمها برنامج الأغذية العالمي يوميًا من 250 ألفًا إلى 150 ألفًا، في وقت تحتاج العائلات إلى مصادر غذاء منتظمة، لا إلى مساعدات متقطعة لا تضمن استمرار حصولها على الطعام.

شتاء مقلق

أما تسنيم صالح، البالغة 30 عامًا، فتتجاوز مخاوفها نقص الغذاء إلى الأعباء التي يفرضها اقتراب الشتاء على العائلات، ولا سيما النازحة التي تحتاج إلى توفير الطعام والملابس والأغطية ووسائل التدفئة في وقت واحد.

وتقول صالح لـ"فلسطين": "مع اقتراب الشتاء، تزداد احتياجاتنا بدلًا من أن تقل. نحن بحاجة إلى الغذاء، وإلى ما يحمينا من البرد والأمطار، لكن الإمكانات محدودة، ولا نملك دخلًا يسمح لنا بتوفير كل هذه الاحتياجات. تقليص المساعدات يجعلنا أكثر خوفًا مما ينتظرنا في الأيام المقبلة».

وتعكس هذه المخاوف تداخل أزمات الغذاء والنزوح والفقر؛ فالأسر التي لا تستطيع شراء احتياجاتها الأساسية تصبح أكثر اعتمادًا على المساعدات، بينما يؤدي خفض الحصص إلى تضييق خياراتها في وقت تتزايد متطلبات الشتاء.

ولا تصل التكايا الخيرية إلى جميع المناطق، كما أن الوجبات التي توفرها لا تغطي بالضرورة احتياجات الأسرة طوال اليوم. وبذلك، تجد العائلات نفسها أمام نقص في الغذاء من جهة، وعجز عن شراء البديل من جهة أخرى.

هندسة التجويع

ويربط مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في غزة، علاء السكافي، بين تقليص المساعدات والقيود المفروضة على دخول الإغاثة، إلى جانب منع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) من العمل والقيود التي طالت مؤسسات دولية تقدم خدمات إنسانية في القطاع.

ويعتبر السكافي في حديثه لـ"فلسطين" أن تضافر هذه العوامل يضع المدنيين أمام ظروف معيشية قاسية، ويرى أن استمرار الحصار وتقييد الإمدادات وتقليص المساعدات يعكس سياسة إسرائيلية متعمدة لهندسة التجويع في غزة.

ويؤكد أن تقليص المؤسسات الدولية مساعداتها لا يعفي (إسرائيل) من مسؤولياتها تجاه السكان، مشيرًا إلى أن القانون الدولي الإنساني يلزم قوة الاحتلال بضمان توفير الإمدادات الأساسية للسكان المدنيين، بما يشمل الغذاء والمواد الطبية والإغاثية، وتسهيل وصول المساعدات إليهم.

ويستند السكافي إلى المادتين 55 و56 من اتفاقية جنيف الرابعة، المتعلقتين بتوفير الإمدادات الغذائية والطبية والمحافظة على الخدمات الصحية، وإلى الحظر المفروض على استخدام تجويع المدنيين أسلوبًا من أساليب الحرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

ويشير إلى أن تقييم المسؤولية يستند إلى مجموعة من الأدلة والوقائع، من بينها التصريحات المتعلقة بالحصار، وحجم المساعدات التي تدخل القطاع، والقيود المفروضة على الإمدادات، والتحذيرات من تدهور الأمن الغذائي وارتفاع مخاطر سوء التغذية، خصوصًا بين النساء والأطفال والحوامل.

مسؤولية دولية

ويشدد السكافي على ضرورة تحرك الوسطاء والجهات الضامنة لوقف إطلاق النار للضغط من أجل إدخال المساعدات والمواد الغذائية والإغاثية، ورفع القيود التي تعرقل عمل المؤسسات الإنسانية، وضمان وصول الإمدادات إلى السكان بصورة آمنة ومنتظمة.

كما يدعو إلى السماح للمؤسسات الدولية والمحلية بمواصلة عملها الإغاثي والصحي والتعليمي، محملًا المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وقانونية عن عدم اتخاذ خطوات كافية لضمان حماية المدنيين وتوفير احتياجاتهم الأساسية.

ويؤكد أن منع التجويع واستخدام الغذاء وسيلة ضغط يقتضيان تحركًا يتجاوز التصريحات، عبر ضمان تدفق المساعدات ورفع القيود المفروضة على المعابر، وتمكين المؤسسات الإنسانية من الوصول إلى المحتاجين.

ويمكن أن تندرج أفعال التجويع، وفق ظروفها والأدلة المتاحة، ضمن جرائم الحرب أو جرائم دولية أخرى، على أن يبقى تحديد المسؤولية الجنائية من اختصاص الجهات القضائية المختصة.

وبين حصص تتقلص وأسعار ترتفع وشتاء يقترب، لا تبدو أزمة الغذاء في غزة مجرد تراجع في أرقام المساعدات، بل أزمة تمس قدرة العائلات على تأمين احتياجاتها الأساسية. وبينما تحذر الأسر من عجزها عن تعويض النقص، تبقى استمرارية الإغاثة وضمان وصول الغذاء إلى المدنيين مسؤولية لا يمكن تأجيلها.

المصدر / فلسطين أون لاين