☰
✕

قائمة الموقع

أخلاق الشعوب في زمن الحروب

2026-10-24T10:25:00+03:00
فلسطين أون لاين

كلنا في زمن الرخاء، رائعون، مميزون، لطفاء، رحماء، كرماء، حكماء، وما شاء الله علينا، أخلاقنا عالية، لا نكذب، لا نخدع، لا نسرق، لا نرفع الأسعار، لا يقتل بعضنا بعضًا، ولا نبخس الناس أشياءهم.

لكن، ورغم جمال الصفات السالفة، من حيث هي، إلا أنها لا تبقى في نفس مستواها في نفس الإنسان في كل مراحله، استنادًا لما هو متعارف عليه، وحسب رأي علم الاجتماع، أن «الإنسان يتأثر بظروف بيئته»، وتختلف نسبة تأثره بمعايير كثيرة، منها مدى إيمانه بضرورة أن يبقى ضميره على قيد المبادئ والمُثل الدينية والمجتمعية المتعارف عليها.

فقد يحدث أن يتعرض أي مجتمع لأزماتٍ طارئةٍ، قد تطول أو تقصر، وقد ترخي بظلالها على الجميع، أو على فئة معينة، وبغض النظر عن مستوى تأثير الأزمة، فإنها لا بد وأن تُوقِع البعض في شباكها وتُخرجهم من طبائعهم التي اعتادوا عليها، فيبدأ مستوى الروعة بالانخفاض حتى إنه قد يصل بأحدهم إلى قاع الهاوية.

مِن الذين يقعون في فخ الإغراءات، مَن يقع ويتفاعل مع القاع بكل سرور، وكأنه نال مراده، ومنهم من يندم، فيحاول التخلص مما وقع فيه بأي طريقة وبأسرع وقت.

في غزة، وبفعل لهيب الحصار والعدوان الذي تتعرض له منذ أكتوبر 2023، تعرضت معادن الناس للزلزلة، فالبعض وقع في فخ الإغراءات، وتبريرهم لذلك أن الواقع أصعب بكثير مما يمكن احتماله، وأن العدو لن يتركهم يراجعوا أنفسهم والعودة عما هم فيه، فمارسوا كل ما يمكن ممارسته من أساليب ضارة بالناس؛ منهم من ارتبط بالعمالة مع الاحتلال، ومنهم من سلّط لسانه على المجاهدين، ومنهم من احتكر السلع ورفع أسعارها ومنعها عن الناس، واعتبر الحرب فرصة رائعة للثراء، وهذا ربما يمكن اعتباره الأخطر، حيث يُعرّض الجبهة الداخلية للمجتمع للضرر؛ لأنه يتحكم بأقوات الناس جميعًا.

إن ما يحدث بغزة من بعض التجار لا يعني عدم حدوث تلك الأفعال من أي تاجر في أي مكان وزمان، فأي مجتمع فيه من الشرفاء والنذلاء ما فيه، فلا يمكن اختزال شعب في فئة، ولا يمكن اختزال فئة في عددٍ معينٍ منها، لكن العتب الشعبي من أهل غزة هو أن التاجر يتحكم في أقوات الناس خدمة للعدو الذي يقتل الجميع بلا رحمة ولا تفريق، وربما التاجر المُحتكر للسلع، والمتعاون مع العدو، هو نفسه قد تعرض بيته للتدمير أو أهلُه للقتل أو مصالحه للتعطيل من العدو.

أخيرًا: إن ما يجب التأكيد عليه هو أن تغيير أخلاق الشعوب وقت الحروب والشدائد هو تغيير وارد، لتتحقق الحكمة الربانية في تمييز الناس وتمايزهم، فالناس ليسوا سواءً على ذات القدر من تحمل الصعاب والشدائد، وأن المبالغة في مدح شخص أو فئة أو شعب وإبعاد صفة الإنسانية عنه، هو أبعد الطرق عن الموضوعية والحقيقة التاريخية، وهذا لا يعني عدم البحث عن حلول لمعاقبة الساقطين والخارجين عن القيم الدينية والوطنية.

يبقى القول بأن ديننا أكد أن التزام المسلم بأخلاقه في المحن والشدائد هو نوع من الجهاد في سبيل الله. ألم يقل نبينا عليه الصلاة والسلام: «الآن رجعنا من الجهاد الأصغر للجهاد الأكبر»، ويُقصد به مجاهدة النفس عن اتباع الهوى والمنكرات؟! فاعتبروا يا أبناء شعبنا العظيم.

اخبار ذات صلة