فاجأت عملية إطلاق النار التي نفذها شابان من مدينة الخليل في ساعات الصباح الأولى أمس، المنظومة الأمنية الإسرائيلية التي لم تتوقع أن يُكسر الطوق الأمني الذي يحاصر قرى ومدن الضفة ويقطع أوصالها بهذا الشكل، إذ أوقعت العملية قتيلين في صفوف جنود جيش الاحتلال إضافة لإصابة عدد من الجنود الآخرين، والتي استشهد خلالها المنفذان، وهما: أحمد بسام الجعبة، وحمودة وائل الجعبة من سكان المدينة.
كما فاجأت العملية المستوى السياسي الإسرائيلي الذي استخدم حالة القبضة الأمنية بالضفة ضمن الدعاية الانتخابية ليتعرض لموجة اتهامات من الخصوم بشأن أسباب الفشل الأمني والسياسي، فضلا عن الإخفاق الاستخباري في كشف أو توقع الهجوم رغم حجم ملاحقة جيش الاحتلال للشعب الفلسطيني.
وقعت العملية على المدخل الشمالي لمدينة الخليل الذي يسمى شعبيا "فرش الهوى" وهو المدخل الرئيس الذي يربط المدينة بباقي مدن الضفة، إضافة لمدخل آخر أقل أهمية، ووفق الشهادات يتم إذلال أهالي المدينة يوميا على الحاجز الذي وقعت فيه العملية من خلال توقيف سيارات الأهالي لساعات التي تصطف في طوابير طويلة بانتظار فتح البوابة، بقصد التأخير والإعاقة المتعمدة دون سبب، وتضم البوابة ممرا تجاريا يربط المدينة بحاجز "ترقوميا".
وتتمركز قوات كبيرة من جيش الاحتلال على الحاجز وهي محصنة ويضم الحاجز أبراجا وكاميرات مراقبة، وحواجز وجدر أسمنتية، ليمثل نجاح العملية ضربة تهز المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وتطرح تساؤلات إسرائيلية داخلية عن قدرة المنفذين على تجاوز التحصينات المحيطة بالموقع ووسائل المراقبة.

ويظهر مقطع مصور نشرته وسائل إعلام عبرية، اللحظات الأولى لتنفيذ الهجوم، حيث اصطفا بسيارة على زاوية قريبة من الحاجز داخل البوابة وترجلا وهما يحملان مسدسًا وبندقيتي m16، باتجاه الجنود، إذ تقدم أحد المنفذين للاشتباك من مسافة صفر مع الجنود على الحاجز، وتنقل الآخر بين عدة سواتر في أثناء الاشتباك، ثم انسحبا إلى نقطة أخرى واشتبكا مع مجموعة من الجنود الآخرين واستمر الاشتباك لنحو 20 دقيقة في أكبر عملية إطلاق نار تحدث منذ شهور بالضفة الغربية.
توقيت ودلالات
ويرى المختص في الشأن الإسرائيلي فرحان علقم، أنه بالنسبة للشعب الفلسطيني فإن الدفاع عن النفس في ظل هذه الظروف لا يرتبط بأوقات كانتخابات إسرائيلية، لأن الشعب يدرك أن التغيير المنتظر في حكومة الاحتلال القادمة لن يؤدي لحصول الفلسطينيين على حقوقهم وأن جميع المرشحين في الانتخابات متفقين على العداء للشعب الفلسطيني وإلحاق الأذى به، والتنكر لحقوقه، لافتا، إلى أن غادي أيزنكوت الذي ينافس بنيامين نتنياهو كان رئيس أركان جيش الاحتلال وكان ضمن الحكومة التي أشرفت على الإبادة.
وقال علقم لصحيفة "فلسطين": إن "للعملية دلالات عديدة منها أن الشعب الفلسطيني يواجه عدوانا متواصلا، وأن الاحتلال تفاجأ إلى حد الصدمة بعدما ظن أن عملية الطوق التي يمارسها عبر تقطيع أوصال قرى ومدن الضفة عبر أكثر من ألف حاجز وساتر ترابي وحواجز طيارة من شمال الضفة لجنوبها ومن شرقها لغربية قد تمنع هذه العمليات".
وأضاف أن هناك تقطيعا للحي السكني الواحد، ما يحدث إرباكا في حياة الفلسطينيين، وفي بعض الأحيان إذا خرج الفلسطيني من حيه لحي آخر وأثناء عودته يجد جنود الاحتلال قد أغلقوا البوابة ما يضطره للانتظار خارج بيته لليوم التالي، لافتا إلى أن هذه الظروف التي أوجدها الاحتلال هي وقود الشعب الفلسطيني للدفاع عن نفسه، إضافة للاعتداءات المتواصلة وإطلاق يد المستوطنين لشن عدوان على المزارعين خلال موسم الزيتون وسرقة المحاصيل وقدرات الشعب.

وعن توقيت العملية المفاجئ، رأى أن الاحتلال كان في ذروة اطمئنانه أن الشعب الفلسطيني قد جرى إخضاعه بالضفة لذلك صدم الاحتلال بهذه العملية التي لم تحدث منذ زمن بهذا الشكل، باستمرار إطلاق النار لعشرين دقيقة وسقوط قتيلين وعدد من الإصابات الأمر الذي أحرج المستويات الأمنية والسياسية والعسكرية الإسرائيلية.
ورغم أن نتنياهو يحاول استغلال العملية للاستفادة منها انتخابيا، يعتقد علقم أن الواقع مغاير لما يتم ترويجه، إذ تأتي العملية في وقت تعصف بنتنياهو قضايا فساد جديدة كان آخرها اتهام مستشاره السياسي بالعلاقة والعمل لدولة قطر، ما يجعل تسويق أي إجراءات قادمة ضعيف أمام الخصوم أو الجمهور الإسرائيلي بالنظر لحالة الإرباك والصدمة التي أحدثته العملية والتي كشفت عن إخفاقا استخباريا كبيرا.
مقاومة لا تكسر
ومن وجهة نظر المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج، تأتي العملية في سياق تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية وتطرح تساؤلات عن فاعلية المنظومة الأمنية الإسرائيلية وحدود قدرتها على منع عمليات المقاومة، رغم الانتشار العسكري المستمر.
وقال الحاج لصحيفة "فلسطين": إن "نجاح العملية يعني أن الانتشار العسكري والحواجز والإجراءات الأمنية لا توفر قدرة مطلقة على منع العمليات، وأن التفوق العسكري لا يمكنه القضاء على كل فعل مقاوم حتى وإن حد من ذلك مؤقتا، كما يطرح تساؤلات عن جدوى الاعتماد على القوة وحدها، مع تواصل سياسة التدمير والقتل".
ورغم أن نجاح عملية واحدة لا يكفي وحده لاستنتاج وجود تحول استراتيجي في عمليات المقاومة أوسع من الناحية النظرية، لكن من الناحية العملية والقراءة التاريخية فيبدو أننا على أبواب موجة تصعيد أوسع، لأن الأمر المستغرب أو غير الطبيعي هو غياب هذه العمليات المقاومة في ظل هذه الظروف. وفق الحاج.

ورأى أن توسيع الإجراءات من الخليل إلى عموم الضفة يتجاوز ملاحقة منفذي العملية، بما يهدف إلى إظهار السيطرة الأمنية وطمأنة مجتمع المستوطنين، وكذلك من أجل تحويل غضب الفلسطينيين تجاه منفذي العمليات وذويهم بعيدا عن الاحتلال وسياساته وهو المتسبب الرئيس في كل ما يحدث، لكنه في الواقع يفاقم معاناة المدنيين ويزيد من فرص التصعيد وهذا ما حدث ويحدث تاريخيا وبشكل متكرر ولا يحتاج إلى كثير من الجهود للتنبؤ بذلك.
ولفت إلى أن خصوم نتنياهو سيستغلون ما يحدث لمساءلته عن الإخفاقات الأمنية المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، بينما قد يطالب اليمين الإسرائيلي ولا سيما التيارات الأكثر تشددا، بمزيد من القوة والقيود على الفلسطينيين.


