فلسطين أون لاين

الخليل تكسر حاجز الصمت.. والسلطة تنتظر معجزة!

لم تأتِ العملية التي شهدتها الخليل أمس من فراغ، بل جاءت في سياق واقع يومي يعيشه الفلسطينيون تحت وطأة الحواجز العسكرية، والبوابات الحديدية، والاقتحامات المتكررة، وإرهاب المستوطنين، والتهديدات المتصاعدة بالتهجير، فقراءة ما جرى لا تكتمل بالنظر إلى تفاصيل العملية وحدها، بل تقتضي فهم البيئة التي تقف خلفها والسياسات التي تزيد الاحتقان ثم تتعامل مع نتائجه باعتبارها إخفاقات أمنية مفاجئة.

في الضفة الغربية، تحولت الحركة بين المدن والقرى إلى رحلة من الانتظار والإذلال اليومي، فيما تتواصل الاعتداءات على التجمعات الفلسطينية والمزارعين، بما فيها الاعتداءات على قاطفي الزيتون ومحاولات منعهم من الوصول إلى أراضيهم، وفي ظل هذا الواقع، يصعب فصل استهداف الحواجز العسكرية عن الاحتقان المتراكم جراء القيود المفروضة على الفلسطينيين، كما يصبح اتساع المواجهة لتشمل مواقع مرتبطة بالاستيطان احتمالًا لا يمكن تجاهله، فحين تتكرر الاعتداءات ويغيب الردع، قد تتجاوز المواجهة موقعًا بعينه وتمتد إلى مواقع أخرى، وإن لم يكن هذا المسار حتميًا في المدى المنظور.

وتطرح عملية الخليل تساؤلات بشأن دقة التقديرات الأمنية لجيش الاحتلال، خصوصًا في ظل التباين بين التصريحات التي تتحدث عن غياب تهديدات وشيكة، والتأكيدات المتكررة على الاستنفار الأمني في الضفة الغربية، فالمشكلة لا تتعلق فقط بقدرة جيش الاحتلال على توقع العمليات، بل بكيفية قراءة الواقع الفلسطيني أيضًا، فالانتشار العسكري والحواجز لا يعنيان بالضرورة القدرة على منع ذلك، كما أن تشديد القيود لا يعالج أسباب الاحتقان، بل قد يراكمها ويمهد لجولات جديدة من التصعيد.

وتأتي العملية قبل الانتخابات الإسرائيلية، ما يمنحها أبعادًا سياسية تتجاوز الميدان، فاليمين الإسرائيلي، ولا سيما التيارات الأكثر تشددًا داخله، يوظف المخاوف الأمنية لدى المستوطنين لتبرير استخدام مزيد من القوة، وتوسيع الاستيطان، وتشديد القيود على الفلسطينيين، باعتبارها وسائل لتحقيق الأمن.

ليس هناك ما يثبت أن هذه القوى كانت تتمنى وقوع مثل هذه العملية، لكن من الواضح أنها ستحاول استغلالها لتسويق خطابها والمزايدة على خصومها السياسيين، فكلما تصاعد الخوف لدى المستوطنين، ازداد الخطاب المطالب بإجراءات أكثر قسوة حضورًا وتأثيرًا، وترتفع معه الأصوات المنادية بتهجير الفلسطينيين وتوسيع العمليات العسكرية وفرض المزيد من القيود عليهم، وهنا تكمن المفارقة، قد يتحول الإخفاق الأمني إلى مبرر للمطالبة بمزيد من السياسات التي تسهم في إنتاج بيئة أكثر توترًا، ومن المرجح أن يسعى يمين اليمين إلى استثمار العملية انتخابيًا، وتقديم نفسه باعتباره الطرف الأكثر قدرة على استخدام القوة ضد الفلسطينيين، وهو ما قد يعزز حضوره في المنافسة، وإن كانت نتائج الانتخابات لا يمكن حسمها استنادًا إلى حدث بعينه.

في المقابل، تجد القوى التي تسمي نفسها معارضة أمام موقف صعب، فمن السهل عليها مهاجمة نتنياهو وتحميله مسؤولية الإخفاقات الأمنية المتواصلة منذ السابع من أكتوبر، والتساؤل عن جدوى الحروب على الجبهات السبع، في غزة والضفة ولبنان واليمن وإيران وسوريا والعراق.

لكن اتساع العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة تحقيق الأمن الموعود، واستمرار الإخفاقات يمنح خصوم نتنياهو فرصة لمساءلته عن الفجوة بين وعود الردع والواقع، ومع ذلك، فإن مهاجمة حكومة نتنياهو لا تعني أن معارضيه يقدمون بديلًا مختلفًا في جوهره تجاه الفلسطينيين؛ فقد يجدون أنفسهم مضطرين لتبني خطاب أكثر تشددًا، حتى لو كان ذلك لأغراض انتخابية، في محاولة لمنع يمين اليمين من احتكار خطاب القوة والمزايدة عليهم في الملف الأمني.

وبذلك، قد يتعرض نتنياهو لضغوط من معارضة تتهمه بالفشل، ومن قوى يمينية تعتبره غير متشدد بما يكفي، وفي كلتا الحالتين، يظل الفلسطينيون عرضة للتحول إلى مادة للمزايدات الانتخابية، فيما يدور التنافس في الواقع بين اليمين ويمين اليمين، حتى لو تغيرت أسماء الأحزاب والمرشحين أو حملت بعض القوى صفة اليسار.

وسط هذا المشهد، يبرز الرهان الفلسطيني على الانتخابات الإسرائيلية بوصفه مشكلة سياسية تستحق المراجعة، فمتابعة الانتخابات وفهم انعكاساتها أمر طبيعي، لكن التعامل معها وكأنها ستنتج تحولًا جوهريًا في سياسة الاحتلال يشبه انتظار معجزة لا توجد أية مؤشرات على احتمال تحققها.

يبدو أحيانًا أن السلطة الفلسطينية تتعامل مع المشهد باعتباره منافسة بين صقور وحمائم، وأن وصول طرف إلى الحكم بدلًا من آخر قد يفتح تلقائيًا باب التسوية السياسية، لكن التنافس الفعلي أقرب إلى صراع بين مكونات يمينية، والاختلاف هو في الأساليب والخطاب ودرجة التشدد، دون وجود مشروع جدي لإنهاء الاحتلال أو تغيير السياسات المرتبطة بالاستيطان والحقوق الفلسطينية.

المشكلة ليست في الاهتمام بنتائج الانتخابات، بل في تعليق الآمال عليها وتحويل الانتظار إلى بديل عن بناء استراتيجية فلسطينية مستقلة، فلا تبدل الوجوه يضمن تبدل السياسات، ولا يوجد ما يضمن أن تصبح الحقوق الفلسطينية أولوية لدى الناخب الإسرائيلي، أما استمرار الرهان على التغييرات الداخلية الإسرائيلية، دون مراجعة الأدوات الفلسطينية وبناء مصادر ضغط فاعلة، فيعني ترك مستقبل القضية رهينة حسابات انتخابية يحددها الآخرون.

من المتوقع أن تتبع العملية إجراءات إسرائيلية مشددة في الخليل، تشمل الإغلاقات والاقتحامات وتقييد حركة المواطنين، بما قد يوسع معاناة الفلسطينيين ويعطل حياتهم اليومية، لكن السؤال الأهم هو: هل سيؤدي تشديد الحصار إلى إنهاء المواجهة، أم إلى مراكمة أسباب تجددها؟

أثبتت التجربة التاريخية الممتدة على مدى ثمانية عقود أن استخدام القوة، مهما بلغ حجمه، لم ينجح في إخضاع الفلسطينيين أو كسر تمسكهم بحقوقهم الوطنية، كما أن التفوق العسكري لا يحسم بالضرورة صراعًا تتداخل فيه السيطرة الميدانية مع الاستيطان والحقوق الوطنية الفلسطينية. نعم، وقد تتغير الحكومات الإسرائيلية والتحالفات والأسماء، بينما تبقى السياسات الأساسية على حالها، أو تزداد تشددًا تحت وطأة المنافسة الانتخابية.

وإذا كانت عملية الخليل قد أعادت طرح أسئلة أمنية وسياسية على الاحتلال، فإنها تطرح أيضًا سؤالًا فلسطينيًا: إلى متى سيظل الرهان معلقًا على احتمال التغيير داخل دولة الاحتلال؟ بين يمين يسعى إلى استثمار الخوف، ويمين اليمين الذي يطالب بمزيد من الإرهاب والقوة، ومعارضة تحاول توظيف الإخفاقات، وفي ظل هذا المشهد، لا تبدو الانتخابات طريقًا مضمونًا لتغيير الواقع، فالانتخابات الإسرائيلية شأن إسرائيلي، أما إنهاء الاحتلال وحماية الحقوق الفلسطينية فلا يمكن أن يظلا رهينة رهان سياسي استمر أكثر من ثلاثة عقود، دون أن يفضي إلى التغيير المأمول.

المصدر / فلسطين أون لاين