لم تتوقف مخاوف النازحين عند حدود قرار برنامج الغذاء العالمي حرمان نصف مليون إنسان في قطاع غزة من المساعدات، بل تزداد المخاوف والخشية من أن يكون التقليص مقدمة للدخول في موجة مجاعة ثالثة تعيد فصول عذابات وآلام اشتداد موجة المجاعة الثانية قبل توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
وبالرغم من توقيع الاتفاق الذي يقضي البروتوكول الإنساني منه بإدخال 600 شاحنة يوميًا، لم يلتزم الاحتلال سوى بنسبة 30% من حجم الشاحنات المقرر دخولها لغزة، وفق بيانات رسمية في غزة.
وأعلن برنامج الغذاء العالمي أخيرا تقليص المساعدات بنحو الثلث بسبب نقص التمويل، ما أدى إلى حرمان قرابة نصف مليون شخص من الدعم وانخفاض عدد المستفيدين من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص شهريا، بحيث خفضت الحصص الغذائية إلى النصف للعائلات المشمولة بالدعم، إضافة لتقليص المساعدات النقدية بنسبة 40% لتشمل 75 ألف عائلة فقط، وانخفاض الوجبات الساخنة من 250 ألفا إلى 150 ألف وجبة يوميا.
وسبق إعلان الغذاء العالمي، إنهاء المطبخ المركزي العالمي (world central kitchen) عقود عدد من العاملين وتسريح عدد آخر؛ بسبب تقليص موارده، ما أدى لتقليص الوجبات وتوزيعها على النازحين.
لم يستلم رامي أبو عطايا أي مساعدة من برنامج الغذاء العالمي منذ أربعة أشهر، ونتيجة تعطله عن العمل زادت أوضاعه المعيشية سوءًا، ويقول لصحيفة "فلسطين" بينما كان يجر عربة يحمل عليها كيس طحين وطردًا غذائيا استلمه مواطن: "التقليص واضح وهو يؤثر علينا لأننا لا نعمل وكنا نعتمد على ما يقدمه من مساعدات خاصة الأكواد النقدية، إذ حصلت على كود بقيمة 750 شيقلا قبل عدة أشهر، لكن منذ ثلاثة أشهر لم أستلم أي شيء. ولكوني أعمل على نقل الطرود من أمام أحد المخازن التابعة للبرنامج فإنني ألاحظ عملية التقليص بشكل كبير".
داخل مخيم إيواء "فلسطين" يقع على دوار مسجد فلسطين بمدينة غزة، كانت الحاجة انتصار أبو عبده تبحث عن لقمة طعام بين بعض الطرود التي تحتفظ بها داخل خيمتها، وفي الداخل تزداد المأساة مع عدم امتلاكها أسطوانة غاز، ومعاناتها أمراضا مزمنة، ومع تقليص برنامج الأغذية العالمي والمطبخ العالمي برامجهما لم يعد الطعام الجاهز يصل للمخيم، وهو الذي كانت تعتمد عليه أبو عبده وغيرها من النازحين.
أوضاع مقلقة
وتقول أبو عبده لصحيفة "فلسطين" ويظهر عليها علامات التعب: "منذ مدة توقفت خدمات برنامج الغذاء العالمي، وأصبح الوضع صعبا، لأن الأوضاع مقلقة وصعبة ولا توجد مساعدات مالية أو دخل حتى نستطيع شراء احتياجاتنا، ولدي مشكلة في عدم توفر الغاز، وعليه لا أستطيع طهي الطعام إلا على الحطب ولكوني مريضة لا أستطيع تحمل الدخان".
وأضافت: "كان البرنامج يمدنا بعدد من قدور الطعام، وكنا نعتمد عليها وهي معينة لنا لأننا لا نستطيع طهي الطعام. اليوم أفطرت ما يتوافر لدي من الزعتر والخبز، وبالكاد أستطيع فتح علبة فول وتناولها، وبالرغم من أنني مريضة ضغط دم مزمن وحاجتي للخضار مستمرة فإنني لا أستطيع شراءه".
في مخيم "الزهراء" الواقع غرب مدينة غزة الذي تسكنه نحو 70 عائلة، خفض برنامج الغذاء العالمي حصة المخيم من 240 ربطة خبز (تزن الربطة 1.5 كغم) إلى نحو 90 ربطة خبز (تزن الربطة 1 كغم) ما جعل العائلة الواحدة تحصل على ثلاث ربطات خبز في الأسبوع بعدما كانت تحصل على 12 ربطة، وخفضت كمية قدور الطعام من 4 قدور إلى قدر أو قدر ونصف وتأتي ثلاث مرات أسبوعيا بعدما كانت تأتي يوميا وهو مؤشر على حجم التراجع.
ويقول ناصر فروانة وهو أحد سكان المخيم حينما كان يصطف في طابور تعبئة المياه: "التقليص حدث فجأة ودون مقدمات. كنت أحصل على كيس طحين وطردين غذائيين تغطي احتياجاتنا لشهر أو شهرين حتى يأتي موعد الطرد الثاني، لكن تفاجأنا بحدوث تقليص، إذ أصبح يصدر لي البرنامج كيس طحين وكرتونة كل ثلاثة أشهر، كيف سيكفي ذلك؟".
وأضاف بنبرة استهجان: "التقليص طال كمية الخبز التي كان يوردها البرنامج لنا والمدعم من قبل "يونيسف" ونحصل عليها ثلاث مرات أسبوعيا وهذا أثر على حياتنا في المخيم، خاصة العائلات التي تمتلك عددا أكبر من الأفراد، فعائلتي مكونة من ستة أفراد".
وبعدما كان فروانة وغيره من النازحين في المخيم يصطف أمام قدور الطعام قبل التقليص ويحمل أواني كبيرة تكفي لإشباع أولاده، يقف الآن بأطباق وأوانٍ صغيرة جدا تكفي لشخص واحد نتيجة إحضار قدر طعام واحدة لا تغطي ربع احتياج المخيم.
ويشرح أكثر: "بالأمس أحضروا لنا قدر فاصوليا وقدر أرز. هناك من ترك حصته لغيره من الجيران الذين لا يوجد لديهم طعام، وهناك من اكتفى بتعبئة صحن صغير من الطعام، وبتنا نعوض عن هذا التقليص بالعودة لإعداد العدس والمجدرة، وبخاصة أنه لا يوجد غاز طهي والمعاناة تزداد".
بدائل صعبة
على أطراف المخيم يعيش تحرير اشتيوي، بوضع معيشي صعب إذ كان يعتمد على المساعدات الإغاثية، ويزيد التراجع والتقليص من خدمات برنامج الغذاء العالمي والمطبخ العالمي من معاناته الحياتية اليومية. يتكئ اشيتوي على عكاز ويسير بخطى متثاقلة، ويحكي لصحيفة "فلسطين" بملامح ونبرة قهر: "هذا التقليص الذي بدأنا نشعر به منذ ثلاثة أسابيع أثر في حياتنا اليومية والمعيشية، فليس أي إنسان يستطيع شراء الطعام يوميا".
وأضاف: "كنت من الذين يعتمدون على الخبز والطعام المقدم من الغذاء العالمي، الآن يوجد تخفيض في كمية الطعام بشكل كبير وهذا خلق صعوبات كبيرة ولا سيما أنه لا توجد تكيات طعام أخرى في الخارج، ولا يوجب تعامل في الأموال النقدية".
وإن كان المخيمان السابقان قد حصلا في وقت من الأوقات على مساعدات مقدمة من برنامج الغذاء العالمي، يعيش يحيى الأحول في مخيم إيواء "نوافذ الخير" الذي لم تصل له مساعدات مباشرة من الغذاء العالمي إلا فترات قليلة، لكن أزمة الغذاء طالت المخيم فبعدما كانت تكية الطعام تأتيهم ثلاثة أيام أسبوعيا تقلصت إلى يوم واحد في الأسبوع، ما زاد الأوضاع سوءًا.
ويقول الأحول لصحيفة "فلسطين": "تكية الطعام شيء مهم لأنه لا يوجد خضار أو فواكه، وتراجعها أثر في الناس بشكل كبير، لأن الوضع المعيشي في المخيمات بشكل عام ومخيمنا على وجه التحديد صعب، ونحن بحاجة إلى الدعم وزيادة المساعدات وليس تقليصها".

