☰
✕

قائمة الموقع

ثلاثة أعوام على شهادة عالم الحديث .. د. محمد عبد الغفور سيرةٌ لم يطفئها الركام

2026-10-23T12:10:00+03:00
د. محمد عبد الغفور
فلسطين أون لاين

في سجلّ الذاكرة الأكاديمية الفلسطينية تتجلى قامات علمية لم يقف مدادها عند قاعات الدرس وأروقة الكليات، بل امتزج بوجدان المجتمع ونبض واقعه المقاوم. ومن بين هذه النخب يسطع اسم الشهيد الدكتور محمد أحمد عبد الغفور (أبو البراء)، أستاذ الحديث الشريف وعلومه في كلية الدعوة الإسلامية، وأحد أبرز خطباء ودعاة خان يونس.

مثّل الراحل نموذجاً للأكاديمي المربي والداعية المتجرد، زاوج ببراعة بين دقة الصنعة الإسنادية ونقد المتون، وبين فقه القلوب وجماليات الأخلاق النبوية التي عاش مخلصاً في غرسها في نفوس أجيال من طلبة العلوم الشرعية، قبل أن يرتقي شهيداً مع أسرته، شاهداً على ضريبة الثبات واستهداف العقول والهامات الفلسطينية.

النشأة في رحاب البساطة والمسجد

ولد د. محمد عبد الغفور في 27 آذار/مارس 1981 في بيت متواضع في الربوات الغربية شمالي خان يونس، ونشأ في أسرة كبيرة، كان الرابع بين إخوته. ثم جاءت حرب الإبادة فاستشهد محمد وأسرته، وتبعته بعد 45 يوماً شقيقته سمية مع زوجها واثنين من أبنائهما وعدد كبير من أفراد العائلة.

وسط تلك البيئة الطيبة عرف محمد طريقه مبكراً إلى بيوت الله، وكان لمسجد صالح (الربوات الغربية) الأثر التأسيسي الأكبر في صياغة شخصيته الإيمانية والدعوية.

تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة حكومية، كان يقطع إليها كيلومترات كل يوم مشياً على الأقدام برفقة إخوانه وأقرانه. وفي المرحلة الإعدادية اتجهت بوصلته نحو مدارس الأوقاف الشرعية، فأكمل فيها دراسته الثانوية أيضاً عام 1999، وارتدى فيها الجبة والعمامة الشرعية وهو يافع، ونال ثقة أساتذته حتى انتدب مرشداً لبعثة الحجاج وهو لا يزال طالباً على مقاعد الدراسة.

من أروقة التعلّم إلى منصات التمحيص

التحق الشاب الطموح بكلية الدعوة الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وحصل منها على درجة البكالوريوس في العلوم الشرعية عام 2004. وبعد تخرجه خاض غمار العمل الإذاعي والدعوي عبر أثير إذاعة القرآن الكريم بغزة، وعانى سنوات من عدم توفر فرص عمل، حتى استقر موظفاً ومدرساً في المدارس الشرعية، ثم عيّن محاضراً في كلية الدعوة الإسلامية، الكلية التي تخرّج فيها.


 

وواصل مساره البحثي في كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة، محققاً قفزات علمية فارقة في علم الحديث، فنال درجة الماجستير عام 2010 بعد أن أعدّ دراسة موضوعية رائدة بعنوان: "الجمال في ضوء السنة النبوية"، جمعت بين التحقيق النصي والتأمل القيمي في نظرة الإسلام إلى الجمال الروحي والظاهري.

ثم نال درجة الدكتوراه عام 2018 بعد أن قدّم أطروحته التخصصية التطبيقية بعنوان: "منهج الإمام المنذري في تحسين الأسانيد في كتابه الترغيب والترهيب"، مبرزاً قدرة عالية على تفكيك العلل الحديثية والتمحيص النقدي لقواعد الجرح والتعديل.

كما نشر عدة أبحاث علمية في مجلات محكمة في مجال الحديث الشريف والعلوم الشرعية.

بيت أسس على التقوى .. زهد وبناء أسري

اقترن الدكتور محمد عام 2004 بحافظة كتاب الله عائشة فايز الأسطل، التي شاركته مسيرة البناء والدعوة. بدأت حياتهما المشتركة في غرفة متواضعة داخل بيت عائلته، ثم انتقلا إلى شقة صغيرة ضمن المنزل ذاته، قبل أن تتوّج سنوات من الكدح والصبر بالانتقال عام 2013 إلى بيتهما الخاص المستقل في منطقة السطر الغربي.

هناك، تحت سقف ذلك البيت الهادئ، ربّيا أبناءهما الخمسة على مائدة القرآن ونهج التربية النبوية، في كنف عيشٍ ملؤه الرضا والزهد والتجرد. فلم تكن جدران البيت تعزلهم عن الناس، بل عرف الزوجان في حيّهما بدماثة الخلق والتواضع والبساطة والتفاني في نجدة الجيران وبذل المساعدة لكل قاصد.

في محراب التعليم والمنبر والمجتمع

لم يكن الدكتور محمد في عيون تلامذته ناقلاً لقواعد الإسناد الصماء، بل كان مدرسة حية تجسّد السنة النبوية في أدق تفاصيلها. امتاز بابتسامته الدائمة التي تسبق كلامه، وتواضعه الجم الذي ألغى الحواجز المصطنعة بين الأستاذ وطلابه. كان يحوّل أجزاء من المحاضرة إلى مجالس تزكية يتأمل فيها ألفاظ النبوة، مستخرجاً معاني الرحمة والرفق وحفظ اللسان وبشاشة الوجه.

امتد هذا العطاء إلى خارج أسوار الكلية، فكان خطيباً مفوهاً يجمع بين دقة الأكاديمي وجزالة البيان المنبري، ويتنقل بين مساجد خان يونس ومدارسها وملتقياتها. وعبر دروسه المنهجية شرح الأحاديث وربط الحاضر بالماضي، وأقام الدروس الوعظية والإيمانية، وبات أغلب وقته بين محاضرات جامعية صباحية ودروس ومواعظ مسائية في المساجد. كما حوّل صفحته على منصات التواصل إلى نافذة للتوجيه التربوي، ونشر في صحيفة "فلسطين" مقالات إيمانية موسمية، منها: "نبي الرحمة" و"سلسلة رمضانيات" و"الصدق طمأنينة".

ولم يحل انشغال الدكتور محمد بالتدريس والدعوة دون حضوره في العمل المجتمعي والتنظيمي العام، فقد كان، وفق زملائه، فاعلاً فيه، وشغل مواقع عدة في الهيئات الشورية والإدارية المحلية، وتولى مهام متنوعة نبع أغلبها من طبيعة دوره الدعوي وصلته الوثيقة بالمساجد. وفي تلك المساجد عرف بخطب تدعو إلى التسامح والوحدة والتآلف ونبذ الشقاق والفرقة، ولذلك أحبته وقدّرته المكونات المجتمعية.

في أتون الحرب .. بلسم الميدان وصوت الطمأنينة

مع اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر 2023، ورغم وطأة القصف الإسرائيلي والقسوة البالغة التي خيّمت على قطاع غزة، لم ينكفئ الدكتور محمد على نفسه، بل انطلق موظفا علمه ولسانه في أداء رسالته. تنقّل بين مساجد خان يونس وتجمعات الأهالي، يشدّ أزرهم، ويحثّهم على الصبر والتكافل لتجاوز هول المحنة واقتسام رغيف الصمود. وبالتوازي مع حركته على الأرض، تحوّل حسابه على فيسبوك إلى واحة إيمانية يبثّ من خلالها رسائل السكينة والرضا والتسليم بأقدار الله والثبات، ليكون في أيامه الأخيرة صوتاً للطمأنينة وبلسماً لقلوبٍ أرهقها الخوف والدمار.

الوصية الأخيرة .. نبوءة الرحيل وحمْل الأمانة

وقبل ساعات قليلة من ذلك الفجر الدامي، وبينما كانت طائرات الاحتلال تصمّ الآذان وأجواء الموت تخيم على كل زاوية، انتاب الأب إحساسٌ جليّ بدنوّ الأجل واقتراب الرحيل، فجلس يخطّ عبر هاتفه كلماته الأخيرة لنجله عبد الرحمن، في رسالة بدت كأنها استشراف صريح للشهادة وتسليمٌ لراية القيم.


 

كتب الدكتور محمد بمداد الوداع المسبق: "ولدي الحبيب عبد الرحمن.. أكتب إليك هذا الكلام ولعلي لا أُكمله؛ فأوصيك بتقوى الله، وحفظ كتابه، والتميز في دراستك، وحسن الأخلاق، وبِرّ والدتك.. فهي نِعم الوالدة فلا تقصّر في برّها والإحسان إليها، فصلاحها لا مثيل له بين أقرانها ومن هم في سنّها. فكن خير ولد؛ فأنت تحمل من أخلاقي الكثير ولم يبقَ إلا القليل، وبالمجاهدة تصل إليه.. بارك الله في عمرك ورفع قدرك، فأنت رجلٌ في زمنٍ عزّ فيه الرجال".

كلمات قليلة لكنها كانت خلاصة تربية المحدّث لولده، وصكّ أمانة وضع في عنق الفتى قبيل أن تهوي صواريخ الاحتلال على البيت بساعات، ليرحل الأب والأم معاً والأبناء، ويبقى عبد الرحمن يحمل وصية والده وشهادة رجولته بين ركام الفقد وجراح الجسد.

الفجر الأخير .. حين ارتقى المحدّث مع أسرته

فجر يوم الاثنين 23 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان المنزل الأرضي البسيط في السطر الغربي يضجّ بالحياة قبل أذان الفجر بقليل: الأم تعدّ خبز السحور تلمّساً لفضيلة الصيام، والأبناء يستعدون، والأب يطوف كعادته موقظاً أهل بيته للصلاة. توقف الدكتور محمد عند فراش نجله عبد الرحمن (17 عاماً)، فرجاه الفتى أن يمهله دقائق حتى موعد الإقامة، فابتسم وانصرف ليتهيأ للصلاة.


 

كانت تلك لحظات الوداع الأخير، إذ استهدفت طائرات الاحتلال المنزل الآمن بقصف مباشر ومباغت سوّاه بالأرض. ارتقى الدكتور محمد شهيداً عن 42 عاماً، واستشهدت معه رفيقة دربه عائشة الأسطل (38 عاماً)، وأربعة من أبنائهما: براء (19 عاماً) النجل الأكبر، وجنى (13 عاماً) وحذيفة (11 عاماً) وندى (7 أعوام).

برحيل الداعية أبي البراء خسرت الساحة الأكاديمية والشرعية في قطاع غزة عالماً جليلاً وباحثاً أمضى مسيرته بين مقاعد الدرس ومنابر الخطابة، وهو واحد من أكثر من 190 أكاديمياً وعالماً أحصت قوائم التوثيق اغتيالهم خلال حرب الإبادة الجماعية.

الشاهد والجرح .. سيرة بقاء لا تنكسر

نجا من تحت ركام ذلك الفجر الدامي نجله عبد الرحمن، وابن عمته سمية، الشاب سلامة عماد عبد الغفور الذي كان ضيفاً عندهم تلك الليلة. وقد استشهد سلامة بعد 45 يوماً مع والديه وشقيقه وجده وعدد من أعمامه وأبنائهم، في قصف إسرائيلي استهدف بقية العائلة في السطر الغربي.

استفاق عبد الرحمن بعد يوم في "مجمع ناصر الطبي" بجراح بالغة؛ وجهه ويداه تكسوهما الحروق، وساقاه مثبتتان بأسياخ خارجية. أخرج من المستشفى سريعاً تحت وطأة تدفق الشهداء والمصابين، وظل صابراً يكابد مرارة الفقد وآلام الإصابات بانتظار تحويل طبي تعطل طويلاً، متنقلاً في النزوح بين منطقة البلد وخيام المواصي.

وفي قلب الركام وتحت وطأة النزوح، سطّر عبد الرحمن فصلاً جديداً من التشبث بالحياة، إذ عقد قرانه في أيار/مايو 2026، في مشهد امتزجت فيه دمعة الفقد بزغاريد الرجاء، ليؤكد أن غرس الدكتور أبي البراء باقٍ وممتد على الدرب والنهج ذاتهما.

وبعد 3 سنوات على الفقد بقلب موجوع يقول عبد الرحمن: "لو تعلم يا أبي كم كسرني رحيلك وأعياني هذا الغياب، وكم يشتاق فؤادي لطيفك الحاني وطيف أمي وإخواني الذين أفتقدهم في كل نفس.. لكنني، ورغم هول ما ألمّ بي، ما زلت على العهد والوعد ما حييت. مر العام تلو العام وأنا أجاهد نفسي في هذا الابتلاء العظيم، لا تغيب وصيتك عن ناظري، بل هي شعلة تضيء عتمة طريقي في كل منعطف، أدعو الله ببركة شهادتك أن يمدني بالعون لأكون كما أردت ورجوت. وأما أمي الحبيبة، فقد مضت إلى بارئها بصحبتك رفيقة دربٍ وشهادة، وأشهد الله أنني سأظل باراً بها في لحدها كما أوصيتني، حافظاً لذكراها ووفياً لرضاها. سأرعى يا أبي كل ما غرسته فيّ من قيم منذ نعومة أظفاري، وسأظل ممسكاً بهذه الوصية وكلماتك الأخيرة، أحملها في صدري تاجاً وحرزاً ما حييت".

دموع الوالدين .. بر لا يغيب ونبوءة باكرة

وإلى جانب جراح الابن الناجي، يقف والدا الشهيد شاهدين على فداحة الفقد. فلا يزال والده المسنّ، الحاج أحمد عبد الغفور (أبو ياسر)، يفيض بالدمع كلما مرّ طيف ابنه الشهيد، ويستحضر شريط حياة ابنه المجبولة بالطاعة والبرّ والتعلّق بالمساجد. وتعود به الذاكرة عقوداً إلى الوراء، حين زار مدرسة ابنه الابتدائية يسأل عن تحصيله، فبادره أحد المعلمين بكلمة لم تمحها السنون: "ابنك فلتة" (متوقد الذكاء)، مشيراً إلى ذكائه وتوقد ذهنه، وهي النباهة التي ظلّت ترسم مساره حتى نال أرفع الدرجات الأكاديمية.

أما والدته المسنّة، التي تجرّعت مرارة فقد الابن والابنة وثلة من الأحفاد في ظل مرضٍ أنهك جسدها، وتعيش في خيمة نزوح، فلا يفارق خيالها برّه اليومي وملاطفته لها حين كان يأتي متفقداً، يزرع البسمة في ملامحها، وينحني ليقبّل يديها ورأسها ملتمساً بركة الدعاء، تاركاً في المكان دفئاً أطفأه الغياب.

شهادات حية: عطر السيرة في كلمات العارفين

في شهادة رفيق دربه المحاضر في جامعة الأقصى د. محمد عوض، يقول: "الشهيد أبو البراء رحمات الله عليه، أصدق ما يُطلق عليه أنه كان من أهل الله تعالى، وأهل الصدق والرقي في جميع الوجوه. يصهر نفسه من أجل إخوانه، ويتفانى في خدمة خلانه، كأنما تشكّل اللطف إنساناً فكانَه... لا نزال نستذكر بسمته الحاضرة وملاطفته على البديهة وتعامله المهذب وسكون الروح عند مجالسته".


 

أما شقيقته الصحفية إيمان عبد الغفور، فتؤكد أن "الخسارة بفقد أخي محمد كانت فادحة، فقد كان معروفًا بطيبة قلبه، وحرصه الشديد على صلة الرحم، واهتمامه الدائم بأحوالنا. كان يؤنسنا بزياراته المحبة المتكررة، واتصالاته التي لا تنقطع للاطمئنان علينا والسؤال عن أحوالنا. كان أول المباركين في أفراحنا، وأول المواسين في أحزاننا، يمتلك قدرة عجيبة على مداواة قلوبنا المتعبة بكلماته الطيبة، ووصاياه الصادقة، ورسائله التي كانت تبعث الطمأنينة في نفوسنا، وتثبّت قلوبنا حين تضيق بنا الحياة. 
في الحروب السابقة، كلما اشتد علينا الخوف، وتسلل الوهن إلى قلوبنا، كان يجمعنا حوله، ويخفف عنا، ويزرع في نفوسنا شيئًا من السكينة والقوة".

ويعدد جاره الصحفي محمد سالم الأسطل، مناقب د. محمد: "لم تكن جيرتك يا دكتور مجرد جدران تجاور جدراناً، بل كانت دفئاً يملأ الحي، وصحبة روحية نترقبها كل يوم؛ تعلمنا منها كيف تكون الابتسامة صدقة، وكيف يكون حسن الخلق نهج حياة، وكيف تُغرس الحكمة في القلوب بلين الكلام وطيب الأثر".

رحل الدكتور محمد عبد الغفور تاركاً خلفه سيرة عطرة، وأجيالاً من طلبة العلم الشرعي الحاملين لهديه وأخلاقه. ورحل شاهداً على أن نيران الاحتلال وقذائفه قد تسقط الجدران وتفني الأجساد، لكنها تعجز عن اغتيال المنهج أو محو الجمال النبوي الذي تركه في قلوب من عرفوه.

اخبار ذات صلة