طالبت أوساط اقتصادية بالضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتمكين المنتجات الوطنية المصنّعة في الضفة الغربية من الوصول إلى أسواق قطاع غزة، وإعادة إحياء التكامل الاقتصادي والتبادل التجاري بين الضفة والقطاع.
وأكدت أهمية فتح المجال أمام المصانع والشركات الفلسطينية لتسويق منتجاتها في قطاع غزة، بما يسهم في توسيع الأسواق المتاحة أمام المنتج الوطني، وتحريك عجلة الإنتاج، والحفاظ على فرص العمل، في وقت تعاني المنشآت الصناعية تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل وصعوبات تسويق الإنتاج.
وأكد رئيس اتحاد الصناعات الفلسطينية السابق، نور الدين جرادات، أهمية رفع الصوت عالياً للمطالبة بإعادة الحياة الاقتصادية البينية بين محافظات الوطن، مشدداً على أن تسهيل وصول المنتجات الفلسطينية إلى قطاع غزة يمثل مطلباً اقتصادياً ووطنياً، مع ما تواجهه المنشآت الصناعية من تحديات وصعوبات في تسويق إنتاجها والحفاظ على استمرارية أعمالها.
وأوضح جرادات لصحيفة "فلسطين" أن تمكين المصانع والشركات الفلسطينية من تسويق منتجاتها في غزة من شأنه أن يفتح أمامها أسواقاً أوسع، ويساعدها على تصريف إنتاجها والحفاظ على فرص العمل، فضلاً عن دعم دورة الإنتاج المحلي وتعزيز قدرة المنشآت على مواصلة نشاطها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
وأشار إلى أن الصناعات الفلسطينية تشمل قطاعات متعددة، من بينها الصناعات الغذائية والمنظفات والمنتجات الاستهلاكية وغيرها، وهي منتجات يمكن أن تسهم في تلبية جانب من احتياجات السوق في قطاع غزة، شريطة توافر الظروف اللازمة لنقلها وإدخالها وتوزيعها.
وشدد جرادات على أن إعادة تنشيط التبادل التجاري بين الضفة الغربية وقطاع غزة لا تقتصر آثارها على المصانع والتجار، بل تمتد إلى المستهلكين أيضاً، من خلال توسيع الخيارات المتاحة أمامهم وتعزيز حضور المنتج الوطني في الأسواق، مع مراعاة احتياجات المواطنين والقدرة الشرائية ومستويات الأسعار.
ازدياد المخاطر الاقتصادية
وبيّن جرادات أن عدداً من المصانع في الضفة المحتلة اضطر إلى الإغلاق، فيما لجأت منشآت أخرى إلى تسريح موظفيها، في حين توقفت رؤوس أموال عن الاستثمار في ظل تزايد المخاطر الاقتصادية وتراجع فرص التوسع والإنتاج، وذلك منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأوضح أن التداعيات ارتبطت بالعراقيل التي يفرضها الاحتلال، بما فيها الحواجز العسكرية والقيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية في الضفة الغربية، الأمر الذي انعكس سلباً على حركة الأسواق وحجم الطلب على المنتجات المحلية، وفاقم الصعوبات التي تواجهها المنشآت الصناعية في الاستمرار والحفاظ على العمالة.
تعزيز الشراكة
من جهته أكد محمد سكيك، رئيس مكتب مركز التجارة الفلسطيني «بال تريد» في قطاع غزة، أهمية تعزيز الشراكة الاقتصادية بين محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة، والعمل على تمكين المنتجات الوطنية من الوصول إلى أسواق القطاع، بما يسهم في إعادة تنشيط الحركة التجارية ودعم الصناعة الفلسطينية وتهيئة الظروف اللازمة للتعافي الاقتصادي.
وشدد سكيك لصحيفة "فلسطين" على ضرورة رفع الصوت عالياً للمطالبة بتحقيق التجانس والتكامل الاقتصادي بين الضفة والقطاع، وتعزيز الشراكة بين الشركات والمصانع الفلسطينية، بما يضمن التعامل مع الاقتصاد الفلسطيني باعتباره جسماً واحداً، لا أسواقاً منفصلة عن بعضها.
وأوضح أن شركات الضفة الغربية تمثل شريكاً أساسياً لقطاع غزة، وأن تسهيل وصول منتجاتها إلى أسواق القطاع من شأنه أن يفتح آفاقاً أوسع أمام الصناعات المحلية لتسويق إنتاجها، ويساعد في توفير السلع للمواطنين، إلى جانب الحفاظ على استمرارية المنشآت الإنتاجية وفرص العمل التي توفرها.
وأشار سكيك إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب دوراً فاعلاً من القطاع الخاص ومؤسسات الأعمال، وفي مقدمتها الشركات المنضوية في الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية، لتعزيز التعاون بين المنتجين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتوحيد الجهود الرامية إلى إعادة إحياء العلاقات الاقتصادية والتجارية بينهما.
وأضاف أن إتاحة المجال أمام المنتجات الفلسطينية للوصول إلى غزة لا تقتصر أهميتها على تنشيط التجارة، بل تمثل أيضاً مدخلاً لدعم جهود التعافي وإعادة الإعمار، من خلال الاستفادة من قدرات المصانع والشركات الفلسطينية في توفير المنتجات والاحتياجات اللازمة، وتعزيز الاعتماد على الإنتاج الوطني كلما أمكن ذلك.
وأكد أن حرية الاستيراد وتسهيل حركة المنتجات الوطنية يشكلان جزءاً مهماً من هذه العملية، مشدداً على ضرورة إزالة العراقيل التي تحول دون وصول البضائع الفلسطينية إلى أسواق القطاع، بما يتيح للمنتج المحلي المنافسة والمساهمة في تلبية احتياجات المواطنين.
وفي السياق حذّر الباحث في إدارة المخاطر والأزمات والاقتصاد، أنور محمد عطا الله، من تداعيات منع المنتجات الفلسطينية القادمة من الضفة الغربية من الوصول إلى أسواق قطاع غزة، مؤكداً أن هذه الخطوة تهدد مصالح القطاعات الإنتاجية والتجارية، وتفاقم الضغوط على المالية العامة الفلسطينية، فضلاً عن انعكاساتها على المستهلكين وفرص العمل.
وقال عطا الله، في حديث لصحيفة "فلسطين"، إن خطورة القرار تتجاوز خسارة الشركات الفلسطينية لجزء من أسواقها، إذ تمسّ الترابط الاقتصادي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، الذي شكّل على مدار عقود أساساً لتبادل السلع والخدمات وتكامل الأنشطة الإنتاجية والتجارية والاستثمارية.
وأوضح أن وحدة السوق الفلسطينية لم تكن مجرد ارتباط جغرافي، بل نتاج علاقات اقتصادية بناها القطاع الخاص على مدى سنوات، بمساهمة مؤسسات وطنية شملت الغرف التجارية والصناعية، وجمعية رجال الأعمال الفلسطينيين، ومركز التجارة الفلسطيني «بال تريد»، واتحادات الصناعات وغيرها من الجهات التي عملت على تعزيز التبادل التجاري وتوسيع فرص تسويق المنتجات المحلية.
وأشار عطا الله إلى أن منع المنتجات القادمة من الضفة الغربية من دخول غزة لا يمكن التعامل معه باعتباره قيداً تجارياً محدود الأثر، لافتاً إلى أنه يرى في هذه الخطوة توجهاً قد يدفع السوق الغزية إلى الاعتماد بصورة أكبر على المنتجات الإسرائيلية، بما يعزز حضور الشركات الإسرائيلية ويضعف فرص تطوير قاعدة إنتاجية فلسطينية مترابطة.
وبيّن أن حرمان المصانع والشركات في الضفة الغربية من الوصول إلى سوق قطاع غزة يحدّ من قدرتها على تصريف إنتاجها، ويقلّص فرص التوسع والاستثمار، خصوصاً في ظل تراجع القوة الشرائية وانخفاض السيولة في الأسواق وارتفاع معدلات البطالة نتيجة تعطل أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين عن العمل داخل الأراضي المحتلة.
وأضاف أن تقلص الأسواق المتاحة أمام المنشآت الفلسطينية قد يؤدي إلى تراجع المبيعات والإنتاج، وتراكم المخزون، وتعثر بعض الشركات والمصانع، بما قد يدفع منشآت إلى الإغلاق أو تقليص أعمالها وتسريح العاملين فيها.
ولن تتوقف الآثار عند المنتجين وحدهم، بل ستمتد إلى الموردين وشركات النقل والتخزين والمصارف وشركات التأمين، نظراً إلى ارتباط هذه الأنشطة بحركة التجارة والإنتاج.
وعلى الصعيد المالي، لفت عطا الله إلى أن القيود المفروضة على حركة التجارة قد تنعكس على الإيرادات العامة الفلسطينية، في وقت تواجه فيه الخزينة أزمة مالية متفاقمة نتيجة اقتطاعات أموال المقاصة والضغوط المتواصلة على الموارد الحكومية.
وأكد عطا الله أن تقليص الخيارات المتاحة أمام السوق الغزية قد يضعف المنافسة بين الموردين، ويزيد قدرة الموردين الإسرائيليين على التأثير في الأسعار والكميات المعروضة، خاصة إذا تراجعت البدائل الفلسطينية المتاحة.