فلسطين أون لاين

"عدتُ بلا خبز لأبنائي".. حكايات من طوابير الخبز في غزة

...
طوابير طويلة أمام نقاط بيع الخبز، بغزة
غزة/ أدهم الشريف:

بخطوات متعبة، كان المواطن فهد عطية يحمل كيسًا فارغًا، يتنقل بين الواقفين أمام نقطة لبيع الخبز في مدينة غزة، علّه يتمكن من الحصول على ربطة يعود بها إلى أطفاله الذين ينتظرون إفطارهم.

يمدّ بصره نحو الطاولات التي توضع عليها الأرغفة، ويتابع حركة البيع، في حين تتقدم الصفوفُ ببطء، قبل أن يجد نفسه في نهاية الانتظار من دون خبز يكفي أسرته، ليعود أدراجه مثقلًا بخيبة الأمل، وعاجزًا عن تلبية حاجة أطفاله إلى أبسط مقومات الطعام.

في قطاع غزة، لم يعد الحصول على الخبز مهمة يومية عادية، بل تحوّل إلى رحلة شاقة تبدأ مع ساعات الصباح الأولى، وتتخللها ساعات من الانتظار والتنقل بين نقاط البيع، في وجود أزمة متفاقمة دفعت عددًا من المخابز إلى إغلاق أبوابها بسبب النقص الحاد في الطحين من جراء القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على دخول الإمدادات الإغاثية إلى القطاع.

وعلى امتداد شوارع المدينة، تجمعت أعداد من المواطنين أمام نقاط بيع الخبز، وتزاحموا في طوابير تمتد أمامها وتضم رجالاً ونساءً وأطفالاً يراقبون باهتمام ما يتوافر من أرغفة على أمل أن يحالفهم الحظ قبل نفاد الكميات المعروضة.

وتوقفت في قطاع غزة، أمس، 10 مخابز من أصل 17 مخبزًا، بسبب مواصلة الاحتلال منع دخول الشاحنات المحملة بالطحين، بحسب جمعية المخابز التي حذرت من مخاطر توقف باقي المخابز عن العمل.

وارتفعت وتيرة المخاوف من تجدد المجاعة للمرة الثالثة منذ اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي راح ضحيتها في عامي 2024، 2025، مئات المواطنين بينهم أطفال نتيجة سوء التغذية الناتج عن عدم توفر الطعام المناسب.

وكان برنامج الأغذية العالمي أعلن قبل أيام تقليص مساعداته الغذائية بسبب نقص التمويل، مما يجعل مئات آلاف المواطنين في القطاع أمام خطر تفاقم الجوع، وسط استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية.

وسط هذا المشهد، وقف المواطن عبد الله مقداد، الذي خرج من منزله في منطقة اليرموك وسط مدينة غزة، منذ الصباح بحثًا عن الخبز لأسرته، متنقلًا بين أكثر من نقطة بيع، بعدما لم يتمكن من الحصول على حاجته من المحاولة الأولى.

وقال لصحيفة "فلسطين"، "خرجت من البيت على أمل أن أعود بربطة خبز لأسرتي، لكنني وقفت في الطابور طويلًا، وعندما جاء دوري لم أتمكن من الحصول على ربطة واحدة. لا أعرف ماذا سأقول لأفراد لأبنائي عندما أعود إليهم من دون خبز".

ويضيف، أن إغلاق عدد من المخابز زاد الضغط على نقاط البيع التي لا تزال تعمل، إذ يتوجه إليها المواطنون بأعداد كبيرة، فيما لا تكفي الكميات المتاحة لتلبية احتياجات الجميع، الأمر الذي يجعل الحصول على الخبز مرهونًا بالانتظار وتوافر الكميات المناسبة.

ولا تتوقف معاناة المواطنين عند طول الطوابير، فثمة أسر تضطر إلى تقليل استهلاكها من الخبز، أو تدبير وجباتها بما يتوفر لديها من مواد غذائية، في وقت تتراجع فيه الخيارات أمام العائلات التي تعاني أصلًا من صعوبة تأمين احتياجاتها الأساسية.

أطفال يريدون الخبز

وعلى مقربة من إحدى نقاط البيع، تقف سعاد عاشور، أمّ تحمل كيسًا بيدها، وتراقب حركة الواقفين أمامها، في حين يشغل بالها سؤال واحد: هل ستتمكن من العودة إلى أطفالها بربطة خبز؟

تقول لـ"فلسطين" وهي أم لثلاثة أطفال: "خرجت من خيمة النزوح من أجل أن أحضر الخبز لأطفالي؛ إنهم ينتظرونني ولا أريد أن أعود إليهم خالية اليدين. أقف في الطابور وأنتظر دوري، لكنني أخشى أن تنفد الكمية قبل أن أصل".

وتوضح أن الخبز يشكل جزءًا أساسيًا من وجبات أسرتها، خصوصًا في ظل محدودية المواد الغذائية المتوفرة لديها، مشيرة إلى أن غياب الخبز يضعها أمام خيارات صعبة، في وقت لا تستطيع فيه توفير بدائل كافية لأطفالها.

وتتابع، أن الانتظار الطويل لا يضمن تلبية حاجة الأسرة من الخبز، وأن العودة من دون خبز تعني البحث عن طريقة أخرى لتدبير الطعام، رغم محدودية الإمكانات والاحتياجات المتزايدة.

وأكملت حديثها: إن أكثر ما يؤلمها هو أن يطلب أطفالها الطعام فلا تجد ما تقدمه لهم، في حين تضطر إلى الخروج مجددًا في وقت لاحق على أمل أن تتمكن من شراء الخبز.

أزمة تتجاوز رغيف الخبز

أما عبيدة أبو عبادة، فيرى أن الأزمة لا تقتصر على إغلاق المخابز، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للأسر التي باتت تقضي وقتًا طويلًا في البحث عن الخبز بدلًا من إنجاز احتياجاتها والتزاماتها الأخرى.

ويقول لـ"فلسطين": "أصبحنا نخرج من الصباح ولا نعرف إن كنا سنعود بالخبز أم لا. ننتظر في الطوابير وعندما يصل دورنا قد تنفد الكمية. المشكلة أن الخبز حاجة يومية ولا تستطيع الأسرة الاستغناء عنه".

ويشير إلى أن إغلاق المخابز وعدم توفر الكميات التي تغطي حاجة السوق، يلجأ المواطنون إلى إعداد الخبز في البيت، لكنهم يواجهون مشكلة أخرى ترتبط بارتفاع ثمن كيس الطحين، إلى ما يزيد عن 150 شيكلاً، في وقت لا تجد العديد من العائلات هذا المبلغ لشرائه.

وكما يقول، فإن ذلك يفاقم الازدحام على نقاط البيع ويزيد صعوبة حصول الأسر على احتياجاتها، ولا سيما العائلات التي تضم أطفالًا ولا تملك بدائل غذائية مناسبة.

وبين طوابير الانتظار ونفاد الكميات، يجد المواطنون أنفسهم أمام معاناة تتفاقم يومًا بعد يوم مع استمرار التنصل الإسرائيلي من البروتكول الإنساني في اتفاق وقف إطلاق منذ بدء سريانه في 10 أكتوبر 2025.

ويكفل البروتوكول الإنساني إدخال 600 شاحنة يوميًا إلى القطاع، في حين لم يتجاوز متوسط الشاحنات التي يسمح الاحتلال بإدخالها 250 شاحنة يوميًا، عدا عن الأيام التي يغلق فيها الاحتلال المعبر ولا يسمح بإدخال أي شاحنة.

وفي هذه الظروف، تتصاعد التحذيرات المحلية والدولية من عودة المجاعة وتفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي الحاد في قطاع غزة.

ومع استمرار نقص الطحين وإغلاق مزيد من المخابز، يبقى السؤال الذي يشغل المنتظرين أمام نقاط البيع: إلى متى سيظل الحصول على رغيف الخبز رحلة يومية محفوفة بالانتظار والقلق؟

المصدر / فلسطين أون لاين