لم تعد ممارسة الرياضة داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي حقاً متاحاً للأسرى الفلسطينيين، بل تحولت، وفقاً لشهادات محررين، إلى سبب للملاحقة والتهديد بالعقاب، في ظل تشديد الإجراءات وحرمان المعتقلين من العديد من حقوقهم، لا سيما منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023.
ويروي الأسير المحرر الرياضي مصلح أبو عميرة، في حديثه لـ "فلسطين أون لاين"، جانباً من المعاناة التي عاشها داخل سجون الاحتلال، مسلطاً الضوء على واقع الرياضة في الأسر، والقيود التي فُرضت على المعتقلين، إلى جانب الظروف القاسية التي تعرضوا لها خلال فترة اعتقالهم.
وأفرجت قوات الاحتلال عن أبو عميرة ضمن احدى صفقات التبادل، بعدما اعتُقل في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، خلال اقتحام مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة.
ويُعد أبو عميرة من الوجوه الرياضية التي عملت لسنوات طويلة في نادي الصداقة الرياضي، حيث تولى منصب المدير الإداري لفرق قطاع الناشئين، وأسهم في العمل الإداري داخل النادي.
حرمان الأسرى من ممارسة الرياضة ..
عقب السابع من أكتوبر 2023، شهدت أوضاع الأسرى الفلسطينيين تدهوراً كبيراً، مع فرض قيود مشددة وحرمانهم من العديد من الحقوق والامتيازات التي كانت متاحة لهم سابقاً، ومن بينها ممارسة الأنشطة الرياضية داخل السجون.
وأوضح أبو عميرة أن الأسرى كانوا يتمكنون، قبل اندلاع الحرب، من ممارسة بعض الألعاب الرياضية، مثل تنس الطاولة والكرة الطائرة وكرة السلة، ضمن المساحات والإمكانات المتاحة داخل السجون، لكن هذه الأنشطة مُنعت في أعقاب الحرب، ما زاد من معاناتهم اليومية.
ولم يقتصر الأمر، بحسب روايته، على منع ممارسة الألعاب الجماعية، بل امتدت القيود إلى أبسط أشكال النشاط البدني، في ظل إجراءات مشددة حدّت من قدرة الأسرى على الحركة وممارسة التمارين.
التمارين الفردية تحت طائلة العقاب ..
واستذكر أبو عميرة حادثة وقعت داخل السجن، عندما حاول أحد المعتقلين ممارسة بعض التمارين الرياضية بصورة فردية، من خلال القفز وتحريك اليدين والقدمين وأداء تمارين الضغط، بهدف تنشيط جسمه والحفاظ على قدر من لياقته البدنية.
لكن السجان، وفقاً لروايته، بادر إلى مناداته وطلب منه التوقف عن ممارسة تلك الحركات، مهدداً إياه بالعقاب إذا كررها.
وأضاف أن التعليمات امتدت إلى بقية المعتقلين، مع مطالبتهم بعدم مغادرة الخيام وعدم الحركة، في ظروف وصفها بأنها قاسية، وتحرم الأسرى من أبسط احتياجاتهم الجسدية والنفسية.
وتعكس هذه الشهادة، بحسب ما أورده المحرر أبو عميرة، حجم القيود المفروضة على الأسرى، الذين لم تعد الرياضة بالنسبة إليهم مجرد نشاط ترفيهي، بل وسيلة للمحافظة على الصحة الجسدية والتوازن النفسي في ظل ظروف الاعتقال الصعبة.
هويته الرياضية لم تشفع له خلال التحقيق ..
وأكد أبو عميرة أن عمله في المجال الرياضي لم يمنحه أي معاملة مختلفة خلال التحقيق، رغم معرفة المحققين بطبيعة عمله، وطرحهم أسئلة عليه تتعلق بالنادي الذي عمل فيه وبعض الشخصيات الرياضية.
وأوضح أن معرفتهم بخلفيته الرياضية لم تغير من طبيعة التعامل معه، مشيراً إلى أن ظروف الاعتقال كانت قاسية، وأنه لم يشعر بأن صفته الرياضية أو عمله في إدارة فرق الناشئين شكّلا أي عامل يخفف من معاناته.
وفي هذا السياق، تبرز قضية الأسرى الرياضيين بوصفها جزءاً من معاناة أوسع يعيشها المعتقلون الفلسطينيون، وسط مطالبات متواصلة بضرورة توفير الحماية لهم وضمان حقوقهم الأساسية، وفقاً للقوانين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
آثار التعذيب لا تزال تلاحقه ..
وتحدث أبو عميرة عن الظروف الصعبة التي عاشها منذ اعتقاله في الأيام الأولى للحرب على قطاع غزة، مشيراً إلى ما تعرض له الأسرى من قلة النوم ونقص الطعام والشراب والضرب، فضلاً عن الظروف القاسية التي رافقت احتجازهم.
وأكد أن آثار ما تعرض له لا تزال مستمرة حتى اليوم، لافتاً إلى أنه تعرض للضرب المبرح على الوجه والرأس، ما تسبب له بنزيف وانتفاخ شديدين.
واستذكر إحدى اللحظات التي بقيت عالقة في ذاكرته، عندما لم يتمكن الطبيب من التعرف عليه بسهولة، بعدما قارن صورته في هويته الشخصية بمظهره عقب ما تعرض له من ضرب.
وتكشف هذه الشهادة جانباً من المعاناة التي يقول أبو عميرة إنه عاشها خلال فترة اعتقاله، وما خلفته من آثار جسدية ونفسية استمرت حتى بعد الإفراج عنه.
خبر قصف المنزل .. وفرحة اللقاء بالأبناء
ورغم قسوة التجربة، احتفظ أبو عميرة بلحظة إنسانية استثنائية ارتبطت بالإفراج عنه ولقائه بأبنائه بعد فترة طويلة من الغياب.
وقال إنه تلقى داخل السجن خبراً عن قصف منزله، وكذلك منزل أنسبائه الذي كانت توجد فيه زوجته وأبناؤه، الأمر الذي دفعه إلى الاعتقاد بأن عائلته ربما فقدت حياتها جراء القصف.
وأضاف أنه، بعد الإفراج عنه ووصوله إلى المعبر، فوجئ بأبنائه في استقباله، موضحاً أنه لم يصدق المشهد في البداية، قبل أن تتحول لحظات القلق والخوف إلى فرحة كبيرة بوجودهم على قيد الحياة.
وكان اللقاء بأبنائه، بحسب روايته، من أكثر اللحظات تأثيراً في حياته، بعدما عاش فترة الاعتقال مثقلاً بالمخاوف على مصير عائلته، في ظل الحرب والدمار الذي طال مناطق واسعة من قطاع غزة.
دعوة للتحرك من أجل الأسرى الرياضيين
وفي ختام حديثه، أعرب أبو عميرة عن أمله في الإفراج عن جميع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وفي مقدمتهم الرياضيين منهم، داعياً الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، والمؤسسات الرياضية الدولية، والمجتمع الدولي والشعوب العربية إلى تكثيف الضغوط من أجل تحسين ظروف اعتقالهم والعمل على إنهاء معاناتهم.
وتعيد شهادة المحرر الرياضي تسليط الضوء على واقع الرياضيين الفلسطينيين خلف القضبان، حيث تتجاوز المعاناة فقدان الحرية والابتعاد عن الملاعب والأندية، لتصل، وفقاً لروايته، إلى الحرمان من ممارسة أبسط الأنشطة البدنية.