تفاجأ أهالي قطاع غزة بإغلاق عدة مخابز أبوابها أمام المواطنين على غير العادة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وشهدت بعض نقاط توزيع الخبز ازدحاما شديدا وتدافعا كبيرا من المواطنين أثناء محاولة الحصول على ربطة خبز، وسط مخاوف وتحذيرات من هندسة تجويع واستخدام سلاح التجويع ضمن الحملات الانتخابية الإسرائيلية على حساب معاناة المواطنين في قطاع غزة، أو حدوث موجة مجاعة ثالثة.
ورصد مراسل فلسطين إغلاق عدة مخابز كبيرة كمخبز العائلات ومخبز الخولي ومخبز الشنطي، وعلى بوابة مخبز العائلات كانت الطفلة عبير الحلو تجلس مع شقيقها بعدما وجدت أبواب المخبز مغلقة أمامها ولم تستطع شراء ربطة خبز، ليكون البديل أمام الطفلة البحث عن "خبز فينو" لتناول طعام الفطور فيما كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف صباحا، بعد عملية بحث بلا جدوى عن ربطة خبز.
على مقربة منهم، كان خالد أحمد ينتظر على أمل أن يفتح المخبز أبوابه إلا أنه قرر المغادرة والعودة للخيمة دون الحصول على ربطة خبز، ويقول لصحيفة "فلسطين": إن "إغلاق المخابز أو الأزمة الحالية غير متوقعة، ولم يكن أحد يحسب حسابًا لهذه الأزمة الطارئة.
نعيش في خيام، ولا توجد أفران أو كميات كافية من الطحين، كما أن الناس اعتادت الاعتماد على المخابز والخبز الجاهز، ولم تكن تخزن الطحين في البيوت".
وعن معاناته في البحث عن ربطة خبز، أضاف: "منذ الصباح وأنا أبحث عن الخبز، وتجولت في جميع نقاط التوزيع، لكن الناس تدافعوا بشدة عند إحدى النقاط التي كانت توزع الخبز، حتى إن كثيرين لم يتمكنوا من الحصول عليه. يجب معالجة الأزمة قبل أن تتفاقم، فلا أملك الطحين في المنزل".
طحين مخزن تالف
ولم يستطع أحمد وغيره من العائلات تخزين الطحين لعدة عوامل ذكرها، أولها سوء التخزين بحيث لم تستطع العائلات كميات من الطحين بسبب فصل الصيف وتعرضها للتلف في الخيام، فضلا عن قلة توزيع الطحين على العائلات من قبل برنامج الغذاء العالمي، وعدم توفر الحطب ووسائل إشعال النار لإعداد الخبز، و"فجأة أُغلقت المخابز بسبب نقص الطحين" متسائلا باستهجان عن الهدف من ذلك.
ويؤكد أن إغلاق المعابر بهذه الطريقة يمس الإنسانية والكرامة الآدمية. وتساءل "ما ذنب الأطفال؟ "إنهم يريدون أن يأكلوا ويعيشوا، وهذه كارثة حقيقية. لقد عشنا مجاعتين، وها نحن نخشى أن نواجه المجاعة الثالثة".
ومنذ ساعات الفجر جال مهند عسلية وشقيقه عدة مخابز ونقاط توزيع خبز بمدينة غزة، ومرا بمنطقتي الصحابة والسرايا، وتفقدا أماكن بيع الخبز، لكن وجدا المخابز مغلقة ولا يوجد باعة للخبز في الشوارع كما جرت العادة منذ عام.
وقال عسلية لصحيفة "فلسطين": "حتى عندما تجد ربطة الخبز، فإن سعرها وصل إلى 17 شيقلًا، وهي أصلا موجودة بكميات قليلة هذا اليوم. ولم أتمكن من شراء الخبز إطلاقًا".
وأوضح "لا يوجد لدينا طحين في الخيمة، فنحن نازحون ولا نملك أي مواد غذائية مخزنة".
ربطة بصعوبة
بعد بحث طويل جال خلاله عدة نقاط ومخابز من منطقة مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة إلى وسط المدينة، بصعوبة استطاع إبراهيم مطر الحصول على ربطة خبز بسعر 12 شيقلا وهي أضعاف سعرها المعتاد بسعر 3 شواقل من نقاط التوزيع.
ويقول بنبرة لا تخفي خوفه من شبح مجاعة ثالثة لصحيفة "فلسطين": "نحن غير مستعدين لهذه الأزمة، وهناك عائلات كثيرة تعيش مثلي في الخيام، ولا تملك مخزونًا من الطحين أو المواد الغذائية لأنه أصابه السوس والتلف وقام الكثيرون برميه أو استخدامه. اعتدنا شراء الخبز يوميًا، ولم نكن نتوقع أن تتفاقم الأمور بهذه السرعة وبهذا الشكل المفاجئ".
وتابع: "اليوم، شهدنا تدافعًا أمام كشك صغير لبيع الخبز، بعدما ارتفع سعر الربطة إلى 12 شيقلًا عنده وتمكنت بصعوبة من الحصول على ربطة خبز. لدي سبعة أطفال، وربطة الخبز هذه لا تكفيهم، ولا أعرف كيف سأوفر احتياجاتهم إذا استمرت الأزمة".
أما دعاء الأطرش فلجأت إلى شراء الخبز من نقطة بيع خاصة، اشترت كيلو الخبز بسعر 10 شواقل رغم أنها اشترت نفس الوزن أمس بسعر 3 شواقل، وتقول لصحيفة "فلسطين" بعدما عادت لأطفالها بعشرة أرغفة: "تعبت كثيرًا في البحث عن الخبز، وفوجئنا بارتفاع الأسعار خلال وقت قصير؛ فبعدما كان سعر كيلو الخبز ثلاثة شواقل أمس، وصل اليوم إلى عشرة شواقل".
وأضافت: " بحثنا عن الخبز في نقاط التوزيع فوجدنا بعضها مغلقًا.قد تكفينا هذه الربطة الصغيرة ليومين لأننا عائلة صغيرة، ونأمل أن تنتهي الأزمة قريبا ولا ندخل في موجة مجاعة"، مشيرة إلى معاناة عائلتها كثيرا في موجة المجاعة الثانية والتي لم يجدوا فيها الخبز خلال بعض الأيام.
وعن الوضع في نقطة البيع الخاصة، توضح أن الازدحام كان شديدًا، وإلى جانب ذلك أضافت: "نعاني استغلال التجار وارتفاع الأسعار في غضون ساعات، في وقت لا تستطيع فيه العائلات تحمل هذه الأعباء".
وتابعت: "لقد خرجنا لتونا من ظروف صعبة خلال الصيف، واليوم نخشى من تفاقم الأزمة مجددًا بسبب عدم توفر الطحين في منازلنا".
وأمام إحدى نقاط توزيع الخبز بمدينة غزة سادت حالة تدافع كبيرة بين الأهالي الذين اصطفوا في طابور طويل، ورغم أن النقطة توزع يوميا 400 ربطة خبز مدعومة من برنامج الغذاء العالمي بسعر 3 شواقل للربطة، كان عدد المتواجدين من الزبائن أضعاف الكمية المتوفرة، ويقول عبد السلام موسى لصحيفة "فلسطين": "جاء الناس من ساعات الفجر الأولى لحجز دور لهم، وكان اليوم صعبا جدا ولم نمر بمثل هذا الازدحام منذ عام".
وأضاف: "بالعادة هذه النقطة توزع بطاقات الشراء قبلة يوم من عملية التوزيع، ولا نعرف إذا كانت ستوزع بطاقات أم ستغلق كما أغلقت غيرها من النقاط. في منطقتنا أغلق مخبز الخولي منذ يومين بسبب نفاد الطحين والذي كان يرتاده عدد كبير من الأهالي.
وهناك مخبز صغير يعمل وبات عليه ازدحام شديد، وكيس الطحين ارتفع سعره إلى 170 شيقلا ولا نعرف إن كانت الأزمة ستحل أم سندخل في مجاعة، فالأمور غير واضحة".