فلسطين أون لاين

حسن أبو الخير.. ناجٍ وحيد يحلم بأن يصبح طبيبًا

...
حسن أبو الخير.. ناجٍ وحيد يحلم بأن يصبح طبيبًا
خان يونس/ تامر قشطة:

قبل دقائق من قصفٍ منزل العائلة المستأجر في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، كان الطفل حسن علاء أبو الخير (9 أعوام) يبكي لأن شقيقه الصغير أخذ منه كيس رقائق البطاطس "الشيبس". وفي الوقت نفسه لم يكن والده يعلم أن محاولته البسيطة لإرضاء طفله ستصبح واحدة من آخر اللحظات التي تجمعهما؛ فأعطاه خمسة شواكل ليشتري كيسًا آخر.

خرج حسن من المنزل، وعندما عاد ووصل إلى عتبته الخارجية، دوّى صوت القصف. أُغمضت عيناه للحظات، وحين فتحهما وجد المنزل قد انهار بالكامل، في حين غابت الوجوه التي اعتاد أن يراها حوله.

في 19 يوليو/ تموز 2024، فقد حسن والده ووالدته وشقيقيه حمودة وتولين، وعمته وابنها، وجدته، إلى جانب أفراد آخرين من عائلته. أما هو، فنجا من القصف بشظايا أصابت جفنه ومنطقة الوجه، ليصبح الناجي الوحيد من أسرته، ويحمل في ذاكرته طفولة انقطعت فجأة تحت الركام.

خمسة شواكل أنقذت حياته

يروي عمه عماد أبو الخير (41 عامًا)، أن شقيقه علاء وأفراد العائلة كانوا مجتمعين في منزل شقيقته في مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة، عندما استهدف طائرات الاحتلال المنزل ودمرته بالكامل.

يستعيد عماد في حديثه لصحيفة "فلسطين"، تفاصيل الدقائق الأخيرة قبل القصف، حين أخذ حمودة شقيق حسن الأصغر، كيس الشيبس من أخيه، فبكى الطفل. عندها أعطاه والده خمسة شواكل وطلب منه الذهاب لشراء كيس آخر.

ويقول: إن حسن خرج من المنزل، ولم تمضِ سوى دقائق حتى وقع القصف لحظة عودته ووصوله إلى عتبة الباب. أصيب الطفل بشظية في جفنه ومنطقة الوجه فنُقل إلى المستشفى، حيث نجا من الموت الذي أحاط به من كل جانب.

لم يكن حسن يدرك أن تِلك النقود القليلة ستفصله عن عائلته إلى الأبد، وأن خروجه العابر لشراء كيس من الشيبس سيجعله الطفل الوحيد الذي بقي حيًا من أسرته.

ويقول حسن لـ"فلسطين" مستعيدًا ما حدث بكلمات مقتضبة: "أغمضت عيني فجأة، وعندما فتحتهما وجدت المنزل قد انهار بالكامل".

وحين يُسأل عن والديه، يؤكد أنهما استُشهدا في المنزل نفسه، كما فقد شقيقيه حمودة، الذي كان يبلغ نحو ثلاثة أعوام، وتولين، ذات الأعوام الثمانية، فضلاً عن عمته وابنها وجدته.

120af5cd-7dd4-4fa2-912e-c43492c00f3d.jpg
 

حياة بلا والدين

ينحدر حسن من مدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، حيث كانت عائلته تعيش قبل أن تدفعها حرب الإبادة إلى النزوح.

ولم تكن خسارته في مخيم النصيرات الأولى التي طالت الأسرة؛ إذ يقول: إن منزلهم في رفح تعرّض للقصف أيضًا، في حين استُشهدت عمته وأبناؤها وزوجها في بداية الحرب.

تراكمت الخسارات العائلية قبل أن ينتزع القصف الإسرائيلي والديه وشقيقيه، ليترك طفلاً في التاسعة أمام واقع لم يكن مهيأً لفهمه أو احتماله.

اليوم، يقيم حسن في مدينة خان يونس مع عمه عماد، الذي تولّى رعايته بعد فقدانه أسرته.

وبينما يحاول الطفل مواصلة حياته بعيدًا عن المنزل الذي شهد آخر لحظاته مع والديه، لا تزال آثار الحرب حاضرة في جسده وذاكرته، وفي غياب الأشخاص الذين كانوا يشكّلون عالمه الصغير.

لا يحتاج حسن إلى شرح طويل ليصف ما حدث؛ فإجاباته القصيرة تكشف عن حجم الفقد الذي يحيط به. وعندما يُسأل إن كان قد بقي وحيداً بعد استشهاد أفراد أسرته، يجيب بالإيجاب، قبل أن يتحدث عن دراسته في الصف الرابع الابتدائي.

عماد.. وفاء لأخ ربّاه

بالنسبة إلى عمه عماد، لا تقتصر رعاية حسن على واجب القرابة، بل ترتبط بقصة قديمة من الفقد والوفاء. فقد توفي والده عندما كان عماد في الصف الثالث الابتدائي، وكان شقيقه الأكبر علاء، والد حسن، هو من تولّى تربيته ورعايته.

واليوم، يجد عماد نفسه في موقع الأخ الذي فقد شقيقه، والأب الذي يحاول احتضان طفل فقد والديه، في مفارقة تعيد إليه ذاكرة طفولته.

يقول: "والدي توفي وأنا في الصف الثالث الابتدائي، والذي رباني هو أخي الكبير علاء. لاحقًا استُشهد علاء، وابنه حسن في الصف الثالث أيضًا، فأصبحت أربي ابنه بمنزلة سداد دَين ووفاء لأخي".

ويضيف، أن حسن ليس مجرد ابن أخيه، بل أحد أبنائه، مؤكدًا أنه يحاول مع زوجته تعويضه عن حنان والديه، وأن الطفل مندمج مع أبنائه ولا يتركه بمفرده قدر الإمكان.

ويصفه بأنه طفل ذكي ومتفوق دراسيًا، ويحاول توفير بيئة عائلية تمنحه شعورًا بالأمان والانتماء بعد كل ما فقده.

لم يكن علاء، بحسب شقيقه عماد، مجرد أب فقده أطفاله، بل كان إنسانًا محبًا للآخرين. فهو خريج تخصص علم الحاسوب والبرمجة، وعمل في جمعية الأمل لتأهيل المعاقين، وعُرف بين أبناء رفح بطيبته وخدمته للناس.

حلم طبيب وسط الركام

على الرغم من إصابته وفقدانه أسرته، لا يزال الصغير حسن يتحدث عن المدرسة بوصفها جزءًا من حياته التي يحاول التمسك بها. وعندما يُسأل إن كان متفوقًا في دراسته، يجيب بثقة بأنه مُجتهد، قبل أن يكشف عن حلمه للمستقبل: "نفسي أصبح دكتورًا لأعالج الناس".

في هذه العبارة الصغيرة، يطل مستقبل يحاول الطفل رسمه بعيدًا عن مشاهد القصف والدمار، مستندًا إلى حلم بسيط في ظاهره، كبير في معناه؛ أن يصبح طبيبًا يعالج الآخرين بعدما عجزت يداه الصغيرتان عن إنقاذ أحبائه.

لا تعيد أمنية حسن والديه أو شقيقيه، ولا تمحو الشظايا التي أصابته أو الذكريات التي سترافقه طويلاً، لكنها تكشف عن رغبة في مواصلة الحياة رغم ما سلبته حرب الإبادة منه.

وبينما يحاول عمه أن يمنحه ما يستطيع من الحنان والرعاية، يواصل حسن دراسته في الصف الرابع، حاملاً اسمًا وذكريات عائلة غابت عن حياته، وحلمًا يعبّر عن براءة طفل لم يختر أن يكون الناجي الوحيد.

المصدر / فلسطين أون لاين