يحاول الشباب في قطاع غزة مواجهة الصعوبات التي تفرضها الحياة في هذه البقعة المكلومة والجريحة من العالم، ويتمسكون بأحلامهم رغم قسوة الظروف، بحثا عن طريق يتيح لهم مواصلة الحياة كما تعيشها باقي شعوب العالم.
لكن الحرب التي تتوالى فصولها على غزة منذ ما يناهز ثلاثة أعوام، لم تترك أحلام هؤلاء الشباب بمنأى عن نيرانها، فحرمت كثيرين منهم من مستقبل كانوا يخططون له، وقضت على حياة الآلاف، تاركة وراءها حكايات مؤلمة عن أحلام لم تكتمل، ومواهب لم تحصل على فرصتها، وذكريات باتت تسكن قلوب الأهل والأصدقاء.
ومن بين هذه الحكايات، تبرز قصة الشهيد موسى عامر عبد الخالق مصلح، الذي ولد في مدينة غزة يوم 26 أغسطس/آب 1999، ونشأ محبا لكرة القدم، ساعيا إلى تطوير موهبته وصقل قدراته، بالتوازي مع اهتمامه بالعلم والدراسة.
كان موسى واحدا من الشباب الذين حاولوا أن يصنعوا لأنفسهم طريقا وسط واقع صعب، جامعا بين حلم التألق في الملاعب وطموحه في بناء مستقبل أكاديمي ومهني في مجال القانون.
البداية من الساحات الشعبية
بدأت علاقة موسى بكرة القدم من المدرسة والساحات الشعبية، حيث تتشكل المواهب الأولى بعيدا عن الأضواء، ويجد الأطفال والشباب في الكرة مساحة للفرح والتنافس والتعبير عن الذات. ومع مرور الوقت، سنحت له الفرصة للانضمام إلى أكاديمية نادي المشتل الرياضي، أحد أندية غرب مدينة غزة، ليبدأ مرحلة أكثر جدية في مسيرته الرياضية.
ومع بروز موهبته وقدراته الفنية، نجح موسى في الانتقال من فئة عمرية إلى أخرى، مستفيدا من التدريبات والخبرات التي اكتسبها، حتى وصل إلى الفريق الأول للنادي.
لم يكن وصوله مجرد محطة عابرة، بل ثمرة جهد والتزام ورغبة في إثبات نفسه لاعبا قادرا على تقديم الإضافة، في بيئة رياضية لا تخلو من التحديات، خصوصا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الرياضيون في القطاع.
شارك الشهيد موسى مصلح في مباريات دوري الدرجة الثالثة، فرع غزة والشمال، وكان ضمن صفوف نادي المشتل خلال الموسم الذي نجح فيه الفريق في التتويج والصعود إلى دوري الدرجة الثانية عام 2020، بعد فوزه على شباب المغراقة بنتيجة 3-1.
ومثل ذلك الإنجاز محطة مهمة في مسيرته مع النادي، وذكرى رياضية ارتبطت بجهود اللاعبين الذين عملوا من أجل تحقيق هدف جماعي طال انتظاره.
ولم يتوقف تألق موسى عند مشاركاته مع ناديه، إذ توج هدافا لدوري الجامعات الفلسطينية عام 2022، في إنجاز عكس قدراته التهديفية وحسه الهجومي، وأكد أنه يمتلك إمكانات كان يمكن أن تقوده إلى محطات أخرى في عالم كرة القدم، لو أتيحت له الظروف المناسبة لمواصلة التطور.
مهارة وانضباط
تميز موسى بمهارته الفنية العالية وانضباطه التكتيكي داخل الملعب، إلى جانب روحه الرياضية والتزامه تجاه فريقه وزملائه. ولم تكن كرة القدم بالنسبة إليه مجرد هواية أو وسيلة لقضاء الوقت، بل مساحة يسعى من خلالها إلى تحقيق ذاته وترك بصمة في النادي الذي احتضن موهبته، وفتح أمامه أبواب المنافسة والتطور.
وفي الوقت نفسه، لم يسمح موسى لشغفه الرياضي بأن يكون عائقا أمام تحصيله العلمي، بل واصل دراسته الجامعية حتى تخرج في كلية القانون، تخصص القانون المدني، من جامعة فلسطين.
وكان موسى يحظى بمحبة زملائه واحترام الأجهزة الفنية والإدارية في نادي المشتل، بفضل أخلاقه العالية وتعامله الطيب وطموحه الدائم إلى الأفضل. ولم تقتصر صورته في ذاكرة من عرفوه على اللاعب الموهوب، بل ارتبطت أيضا بشخصية اجتماعية قريبة من الآخرين، تحرص على العلاقات الطيبة وتترك أثرا حسنا في محيطها.
ويستعيد مصطفى قشطة، مدير نادي المشتل، جوانب من شخصية الشهيد، مؤكدا أنه كان مثالا للالتزام، دائم الابتسامة، ويحظى بمحبة الجميع.
ويشير إلى حرصه على أداء الصلاة في وقتها، إذ كان يترك ما بيده للتوجه إليها، إلى جانب اهتمامه بعلاقاته الاجتماعية وامتلاكه قدرا كبيرا من اللباقة في التصرف والتعامل مع الآخرين.
ولم يكتف موسى بما حققه لاعبا، بل بدأ يتطلع إلى خوض تجربة جديدة في عالم التدريب، مستفيدا من خبرته داخل الملعب ورغبته في نقل ما تعلمه إلى الأجيال القادمة.
وشارك في دورات لتدريب كرة القدم نظمها اتحاد اللعبة، وكان يطمح إلى الالتحاق بمزيد من الدورات المتقدمة التي تؤهله للعمل في المجال التدريبي والمساهمة في قيادة البرامج الفنية داخل ناديه.
كانت تلك الخطوات تعكس رؤية شاب لم يكن ينظر إلى مستقبله في كرة القدم بوصفه محصورا في اللعب فقط، بل كان يتطلع إلى الاستمرار في المجال الرياضي وتطوير نفسه، وربما الإسهام في إعداد لاعبين جدد ومساعدة ناديه على تحقيق المزيد من الإنجازات. غير أن الحرب كانت أقسى من أحلامه، وأوقفت مسيرة كان لا يزال في بدايتها.
الشهادة
وفي يوم الإثنين 22 يناير/كانون الثاني 2024، ارتقى موسى مصلح شهيدا إثر استهداف مباشر من الاحتلال في منطقة أبو غولة بمخيم النصيرات، لتنتهي حياته بعيدا عن الملاعب التي أحبها، وعن المسارات التي كان يأمل أن يواصل السير فيها.
رحل وهو في مقتبل العمر، تاركا خلفه عائلة وأصدقاء وزملاء يحملون ذكراه، وناديا فقد أحد لاعبيه الذين ارتبطوا به في سنوات من العمل والطموح.
جمع موسى بين الرياضة والعلم، وبين حلم التألق في كرة القدم والرغبة في بناء مستقبل في مجال القانون، وسعى إلى تطوير نفسه لاعبا ومدربا محتملا.
لكن تلك الأحلام لم تكتمل، وبقيت تفاصيل حياته حاضرة في ذاكرة أهله وأصدقائه وكل من عرفه، يستعيدون لحظات الفرح والحزن، وأوقات الجهد والتعب، وما جمعهم به من مواقف وذكريات.