☰
✕

قائمة الموقع

شبح المجاعة يطل برأسه على خيام النازحين بغزة

2026-10-22T12:22:00+03:00
شبح المجاعة يطل برأسه على خيام النازحين بغزة
فلسطين أون لاين

لم يعد شبح المجاعة في قطاع غزة يطرق أبواب خيام النازحين فحسب، بل بات يفرض حضوره القاسي على موائدهم، بعدما أصبحت المواد الغذائية الأساسية أبعد من قدرة كثير من العائلات على شرائها.

فالخضراوات التي تشكّل جزءاً أساسياً من الوجبات اليومية اختفت أصناف عديدة منها من الأسواق، في حين بات الحصول على ما يتوافر منها يتطلب دفع مبالغ تفوق قدرة الأسر المنهكة، أما كيس الطحين الذي كان يباع قبل أيام قليلة بنحو 15 شيكلاً، فقد اقترب سعره من 100 شيكل، في قفزة تضاعف العبء على عائلات تعيش أصلاً على حافة العوز.

خلال أيام قليلة، تغيّرت حسابات الأسر بصورة حادة. لم يعد الأمر يتعلق باختيار نوع الخضار أو تقليص كمية المشتريات، بل بالعثور على ما يمكن شراؤه أصلاً، ثم تدبير ثمنه.

وحين يقفز سعر كيس الطحين إلى هذا المستوى، تصبح القدرة على إعداد الخبز نفسه تحدياً يومياً، في حين  تتراجع الخيارات المتاحة أمام العائلات التي فقدت مصادر دخلها أو استنزفت مدخراتها خلال الحرب.

ولا تقتصر الأزمة على نقص المواد الغذائية في الأسواق، بل تمتد إلى تراجع القدرة الشرائية للسكان، في وقت تتقلص مصادر الدخل وتزداد الاحتياجات الأساسية.

وبين ندرة الخضراوات وارتفاع أسعارها، والقفزة المفاجئة في سعر الطحين، تجد العائلات نفسها أمام خيارات قاسية: تقليل عدد الوجبات، أو الاستغناء عن أصناف غذائية أساسية، أو شراء كميات لا تكفي احتياجات أفراد الأسرة.

ولم تعد أسعار الغذاء وحدها هي المؤشر على تفاقم الأزمة؛ فتراجع توافر السلع بات عاملاً أساسياً في معاناة السكان. فبعض الخضراوات يغيب عن الأسواق لفترات، وحين يظهر بعضها، تكون أسعاره قد ارتفعت إلى مستويات يصعب على كثيرين تحمّلها.

وفي ظل هذه الظروف، لا تستطيع الأسر الاعتماد على انتظام توافر المواد الغذائية أو استقرار أسعارها عند التخطيط لمشترياتها اليومية.

وتكشف المقارنة بين الأسعار المتداولة خلال الفترات الأخيرة حجم التقلبات التي تواجه المستهلكين. فبعد أن كانت أسعار عدد من الخضراوات لا تتجاوز بضعة شواكل للكيلوغرام قبل الحرب، وصلت أسعار بعض الأصناف المتاحة إلى 14 شيكلاً للكيلوغرام مثل الخيار والبصل، فيما بلغ سعر الفلفل 24 شيكلاً والكوسا 17 شيكلاً، وفق رصد سابق للأسعار.

لكن هذه الأسعار لا تعكس بالضرورة واقع الأسواق في الوقت الراهن، في ظل تراجع توافر الخضروات والتغيرات السريعة في أسعارها. كما أن الفارق بين سعر كيس الطحين قبل أيام وسعره الحالي، الذي اقترب من 100 شيكل بعد أن كان في حدود 15 شيكلاً، يوضح حجم التقلبات التي باتت تهدد قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية.

"نقسم اللقمة بيننا"

ويصف المواطن حامد اليازجي معاناته اليومية في تأمين احتياجات أسرته، بالقول: "صرنا نحسب اللقمة قبل أن نضعها على المائدة.

أخرج إلى السوق وأنا أعرف أن المبلغ الذي في جيبي لن يكفي لكل ما تحتاجه الأسرة، فأبدأ بحذف الأشياء واحداً بعد الآخر: هذا ليس ضرورياً اليوم، وذاك يمكن أن نؤجله، ثم أعود إلى البيت بما تيسر، وأحاول أن أقنع أطفالي بأن الموجود يكفي. أصعب ما في الأمر أن ترى احتياجاتهم أمامك وتعرف أنك عاجز عن تلبيتها، لا لأنك لا تريد، بل لأن الأسعار سبقت قدرتك على التحمل".

ويضيف في حديثه لصحيفة "فلسطين": "حين يتوفر الطحين بسعر مرتفع، نشتري كمية أقل، مع أننا نعرف أنها لن تكفينا طويلاً.

وحين نبحث عن الزيت أو الخضار، نصطدم بالسعر نفسه وبالسؤال نفسه: ماذا نترك حتى نستطيع شراء هذا؟ لم تعد الوجبة كما كانت؛ صرنا نرتب الطعام على قدر الموجود، لا على قدر حاجة الأسرة. أحياناً نؤجل شراء صنف أساسي، وأحياناً نكتفي بما يسد الجوع مؤقتاً، لكن القلق لا يتأجل".

ومع الارتفاع الحاد في سعر الطحين، تصبح هذه الحسابات أكثر قسوة، إذ لم يعد شراء كيس يكفي الأسرة لفترة من الزمن أمراً يسيراً. ويقول اليازجي: "هذه الأزمة لا تقاس فقط بعدد الأكياس الموجودة في السوق؛ تقاس أيضاً بعدد العائلات التي لا تستطيع شراءها.

عندما يغيب الدخل وتستمر الأسعار في الصعود، يصبح تأمين الطعام معركة كل يوم. نحن لا نطلب رفاهية ولا أطعمة خاصة؛ نريد أن نجد المواد الأساسية بسعر يستطيع الناس دفعه، وألا يبقى الأب أو الأم أمام أطفالهما عاجزين عن تقديم وجبة كافية. الجوع يترك أثراً في الجسد، لكنه يترك وجعاً أكبر في النفس، خصوصاً حين يشعر الإنسان أنه تُرك وحده في مواجهة كل هذا".

غذاء غير كافٍ

بالنسبة إلى هديل القصاص، التي تعيل أسرتها المكونة من خمسة أفراد بعد استشهاد زوجها، لا يمر يوم من دون حسابات تتعلق بما يمكن شراؤه وما ينبغي الاستغناء عنه.

تقول لصحيفة "فلسطين": "منذ استشهاد زوجي، أصبحت المسؤولية كلها على كتفي. أفكر في احتياجات أولادي قبل أي شيء، لكن الأسعار تجعل أبسط المشتريات قراراً صعباً.

أذهب لشراء الدقيق وأنا قلقة من المبلغ المطلوب، لأن سعره ارتفع وأصبح استهلاكه يضغط على ميزانية البيت. كيس الدقيق ليس تفصيلاً صغيراً عندنا؛ هو ما نعتمد عليه في إعداد الطعام، لكن شراءه يعني أن أقتطع المال من احتياجات أخرى".

وتضيف القصاص: "الخضروات التي كنا نعتبرها جزءاً أساسياً من الطبخ صارت مرتفعة إلى درجة أنني أشتري منها أقل كمية ممكنة.

وصل سعر كيلو البصل إلى 10 شواكل، وكيلو البندورة إلى 14 شيكلاً، وهذه أسعار لا تستطيع أسرة مثل أسرتي أن تتعامل معها وكأنها أمر عادي. أحياناً أشتري حبة أو حبتين بدل الكمية التي يحتاجها البيت، وأحاول أن أوزعها على أكثر من وجبة. أطبخ الموجود، وأؤجل ما لا أستطيع شراءه، وأحسب كل شيء حتى لا ينفد الطعام بسرعة".

ومع اختفاء بعض أصناف الخضروات من الأسواق، لم تعد المشكلة بالنسبة إلى القصاص مرتبطة بارتفاع الأسعار وحده، بل بصعوبة العثور على المواد التي تحتاجها لإعداد الطعام. وحتى عندما تتوفر بعض الأصناف، فإن أسعارها تجعل شراءها بكميات تكفي الأسرة أمراً بالغ الصعوبة.

وتتابع القصاص: "أصعب لحظة أن يسألني أطفالي عن شيء اعتادوا أن يجدوه في الطعام، فأضطر إلى شرح أن الأسعار غالية أو أن المادة غير متوفرة.

لا أريد أن يشعروا بأنهم محرومون، لكنني لا أملك دخلاً ثابتاً يحميني من هذا الغلاء. بعد فقدان زوجي، صار كل ارتفاع في سعر مادة غذائية ينعكس مباشرة على البيت. نحتاج إلى توفر المواد بأسعار معقولة، وإلى دعم يصل للعائلات التي لا تستطيع تأمين قوتها. نحن لا نبحث عن الكثير؛ نريد أن نطعم أطفالنا بكرامة، من دون أن يتحول كل طبق إلى حساب وخوف".

غياب الشفافية وجشع التجار

من زاوية السوق، يرى التاجر محمد الحلو أن ارتفاع الأسعار ونقص المعروض لا يمكن تفسيرهما بعامل واحد، مشيراً إلى تداخل صعوبات التوريد والنقل والتخزين مع ممارسات تجارية تستدعي التدقيق والرقابة.

ويقول الحلو لصحيفة "فلسطين": "هناك شح واضح في بعض المواد الغذائية، وخصوصاً الخضراوات، والناس تلاحظ أن الأسعار ترتفع بسرعة، فيما تصبح بعض الأصناف أقل حضوراً في السوق.

من وجهة نظري، لا يمكن تفسير كل ما يجري بعامل واحد؛ فهناك صعوبات في التوريد والنقل وتكاليف مرتفعة، لكن توجد أيضاً ممارسات تجارية تثير أسئلة جدية حول طريقة التسعير وتوزيع البضائع. أسمع من تجار ومستهلكين شكاوى عن احتكار كميات أو طرحها تدريجياً، لكن أي اتهام محدد يجب أن يستند إلى وثائق وشهادات يمكن التحقق منها".

ويضيف: "أعتقد أن بعض التجار يستغلون حاجة الناس لتحقيق أرباح كبيرة، وقد تكون هناك مصالح تتقاطع مع ظروف الحصار والقيود المفروضة على القطاع. واعتقد أن هناك جهات تتعاون مع الاحتلال وتعمل لتحقيق غايات سياسية، مثل التضييق على سكان غزة".

ويتابع الحلو: "حين يرتفع سعر كيس الطحين من نحو 15 شيكلاً إلى قرابة 100 شيكل خلال أيام قليلة، وتختفي أصناف من الخضراوات أو تباع بأسعار مرتفعة، فمن الضروري أن تكون هناك معلومات واضحة عن أسباب هذه القفزات.

يجب أن نعرف من أين جاءت البضاعة، وكم كانت كلفة نقلها، وما هامش الربح، وهل هناك من يخزنها أو يتحكم بتوزيعها. المطلوب نشر الأسعار والكميات المتاحة، ومحاسبة من يثبت تلاعبه، وحماية التجار الملتزمين أيضاً من اتهامات غير موثقة.

الغذاء حاجة أساسية، ولا يجوز أن تتحول معاناة الناس إلى فرصة للربح على حسابهم. وفي الوقت نفسه، لا بد من التمييز بين الوقائع المؤكدة والشبهات، لأن الاتهام بلا دليل قد يظلم أشخاصاً ولا يحل الأزمة".

اخبار ذات صلة