فلسطين أون لاين

الاحتلال ينتهج هندسة التجويع

سلع ثانوية متوافرة وأساسية مفقودة.. مفارقة الأسواق في غزة

...
الاحتلال ينتهج هندسة التجويع في غزة "أرشيف"
غزة/ رامي رمانة:

يتفاقم انعدام الأمن الغذائي في قطاع غزة مع تراجع توافر المواد الغذائية الأساسية وارتفاع أسعارها، في وقت تتقلص قدرة الأسر على الشراء بفعل فقدان مصادر الدخل ونقص السيولة، ما يجعل وجود بعض السلع في الأسواق غير كافٍ لتلبية الاحتياجات الغذائية للسكان.

ويقول مواطنون وخبير اقتصادي تحدثوا لصحيفة "فلسطين" إن محدودية المعروض من السلع الأساسية، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية، يحولان دون تمكّن كثير من الأسر من تأمين احتياجاتها الغذائية بصورة منتظمة.

يقول المواطن شادي النفار إن مشهد المحال التجارية في قطاع غزة لا يعكس حقيقة الاحتياجات الغذائية للأسر، موضحاً أن بعض المتاجر تعرض منتجات متنوعة، لكنها لا توفر بالضرورة ما تحتاج إليه العائلات من مواد أساسية وبالكميات المطلوبة.

ويوضح النفار، أن غالبية المعروض في بعض المحال تتركز في سلع ثانوية، لا تسد احتياجات العائلات اليومية، لا سيما الأسر الممتدة التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المواد الغذائية لتأمين وجباتها.

وتشهد الأسواق نقصاً في سلع رئيسة، من بينها الدقيق والأرز والزيوت والبقوليات، إذ تغيب بعض هذه الأصناف تماماً، في حين تتوافر أخرى بكميات محدودة لا تلبي حجم الطلب.

ويشير المواطن سعيد حطاب إلى أن تجارا يعزون النقص إلى محدودية كميات السلع التي يسمح الاحتلال بإدخالها إلى القطاع، الأمر الذي يحدّ من قدرتهم على توفير المواد الأساسية بانتظام، ويؤدي إلى تفاوت توافرها من وقت إلى آخر.

لكنه ينبه إلى محاولات بعض التجار احتكار سلع أساسية وقت إغلاق الاحتلال المعابر، واستغلال تهافت المواطنين على اقتنائها لتحقيق مكاسب مالية.

وتكشف الأرقام الصادرة عن مؤسسات أممية ورسمية فلسطينية عن اتساع الفجوة بين توافر الغذاء في الأسواق وقدرة السكان على تأمينه، إذ لا تزال الأزمة الغذائية في قطاع غزة مرتبطة بتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار، وتقلص المساعدات الإنسانية، إلى جانب فقدان مصادر الدخل.

وبحسب تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، يُتوقع أن يواجه نحو 1.4 مليون شخص، أي ما يعادل 67% من سكان القطاع، مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد عند مرحلة الأزمة أو ما هو أسوأ، خلال الفترة الممتدة من يوليو إلى ديسمبر 2026، بينهم نحو 212 ألف شخص في مرحلة الطوارئ.

وعلى صعيد الأسعار، حذّرت وزارة التنمية الاجتماعية من أن أسعار السلع في الأسواق لا تزال أعلى بنحو 200% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مشيرة إلى أن 93% من الأسر التي واجهت صعوبات في الوصول إلى الأسواق عزت ذلك إلى الضائقة المالية ونقص السيولة، فيما قالت 54% إنها عاجزة عن تحمّل تكلفة المواد الغذائية الأساسية.

مؤشرات فعلية

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي د. سمير الدقران إن واقع الأسواق في قطاع غزة يرتبط بعوامل تتجاوز طبيعة السلع المعروضة، وفي مقدمتها محدودية الإمدادات وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، في الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي يمر بها القطاع.

ويوضح الدقران، أن فقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة ونقص السيولة النقدية قلّصت قدرة كثير من الأسر على شراء احتياجاتها اليومية، حتى عندما تكون بعض المنتجات متاحة في الأسواق. وبذلك، لا يرتبط الأمن الغذائي بتوافر السلع فحسب، بل أيضاً بقدرة المواطنين على تحمّل تكلفتها بانتظام.

ويشير إلى أن تقييم الوضع الاقتصادي والغذائي يجب أن يستند إلى مؤشرات فعلية، تشمل استقرار الأسعار، ومستويات الدخل، وقدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، بدلاً من الاعتماد على حركة البيع والشراء أو المظاهر الخارجية للأسواق.

ويشدد الدقران على أن معالجة الأزمة تتطلب ضمان تدفق مستدام للسلع الأساسية، وتعزيز المساعدات الغذائية، وتحسين القدرة الشرائية للأسر، إلى جانب استعادة فرص العمل ومصادر الدخل.

وفي مؤشر إضافي على عمق الأزمة، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن 44% من الأسر اضطرت إلى النوم جائعة مرة واحدة على الأقل فيما أفادت 45% من الأسر بنفاد الطعام لديها بالكامل مرة واحدة على الأقل .

كما أشار إلى أن نحو 90% من السكان يعتمدون على المساعدات الغذائية الإنسانية، ما يعكس محدودية قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها بصورة مستقلة.

وتتفاقم هذه الأوضاع مع تراجع التمويل الإنساني؛ إذ أعلن برنامج الأغذية العالمي خفض عدد المستفيدين من مساعداته الغذائية والنقدية من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص، ما يعني حرمان نحو نصف مليون شخص من المساعدات الشهرية. كما خفّض البرنامج الحصص الغذائية إلى النصف، وقلّص عدد الوجبات الساخنة اليومية من 250 ألفاً إلى 150 ألف وجبة.

المصدر / فلسطين أون لاين