فلسطين أون لاين

هندسة التجويع في غزة.. تقليص المساعدات يفاقم سوء التغذية ويهدد صحة الأطفال

...
هندسة التجويع في غزة.. تقليص المساعدات يفاقم سوء التغذية ويهدد صحة الأطفال
غزة/ هدى الدلو:

لم تعد تداعيات تقليص المساعدات الغذائية في قطاع غزة تقتصر على نقص الطعام وارتفاع أسعاره، بل امتدت إلى تراجع التنوع الغذائي، واستنزاف المخزون المتاح، وازدياد المخاوف من تفاقم سوء التغذية وما يرافقه من مضاعفات صحية، في ظل القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول الإمدادات الأساسية وتراجع قدرة الأسر على توفير غذاء متوازن.

وعلى مدار الأيام الماضية، تفاقمت الكارثة الإنسانية في غزة مع تراجع توفر أصناف غذائية أساسية، نتيجة لتلك القيود، وتعطيل بعض التجار دخولها، وسط تحذيرات من عودة المجاعة.

ورغم سريان اتفاق لوقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، فإن تقارير دولية وفلسطينية دورية تؤكد تنصل الاحتلال من إدخال احتياجات القطاع وفق ما اتفق عليه.

ويقول خبير التغذية والتثقيف الصحي هشام حسونة: "الأنماط الغذائية للسكان شهدت تغيرات ملحوظة مع اختفاء أصناف أساسية، أبرزها الخضروات والفواكه واللحوم والدواجن"، مشيرًا إلى أن الأزمة الحالية تأتي امتدادًا لأشهر من المعاناة، تفاقمت خلالها صعوبة الحصول على الغذاء المتنوع بسبب ارتفاع الأسعار، ومحدودية توافر الأصناف، وصعوبة حفظ الأطعمة في ظل انقطاع الكهرباء.

ويوضح حسونة لصحيفة "فلسطين" أن نقص مصادر البروتين والخضروات والفواكه دفع كثيرًا من السكان إلى الاعتماد على النشويات والأطعمة سريعة التحضير، مثل الأرز والمعكرونة، إلى جانب المشروبات الغازية، محذرًا من أن استمرار هذا النمط الغذائي، مع عدم تلبية احتياجات الجسم من المياه والعناصر الغذائية الأساسية، قد يزيد مخاطر اضطرابات السكر والدهون في الدم والسمنة وأمراض القلب، فضلًا عن مشكلات الجهاز الهضمي والخمول وتراجع الحالة النفسية.

ويؤكد أن سد الجوع بأطعمة محدودة لا يعني حصول الجسم على احتياجاته الغذائية، لافتًا إلى أن زيادة الوزن ليست بالضرورة مؤشرًا على صحة جيدة، بل قد ترتبط بمضاعفات صحية داخلية.

ويرى أن فتح المعابر لا يحقق الاستجابة المطلوبة ما لم تتناسب المساعدات الواردة مع الاحتياجات الفعلية للسكان، وتوفر مصادر متنوعة للبروتين والفيتامينات والمعادن.

الفئات الأكثر تضررا

ومن جانبها، تحذر اختصاصية التغذية سماح وادي من أن تقليص المساعدات الغذائية ينعكس على مختلف الفئات العمرية في غزة، غير أن الحوامل والمرضعات والأطفال، ولا سيما من هم دون الخامسة، يبقون الأكثر عرضة لسوء التغذية، نظرًا إلى احتياجاتهم الغذائية الخاصة في مراحل النمو والتكوين.

وتقول وادي لصحيفة "فلسطين": "غياب الأمن الغذائي وعدم توافر الغذاء الكافي والمتوازن يجعلان أفراد المجتمع عرضة لنقص العناصر الضرورية، مع اختلاف المخاطر بحسب العمر والحالة الصحية"، ولا تقف التداعيات، وفق حديثها، عند الشعور بالجوع أو فقدان الوزن، بل قد تترافق مع مضاعفات صحية، من بينها ضعف المناعة والإسهال والتهابات الجلد، وقد تستدعي بعض الحالات التدخل الطبي أو دخول المستشفى.

وتشير وادي إلى ملاحظات ميدانية تتعلق بأطفال وُلدوا خلال الحرب ويبلغون اليوم نحو عامين أو ثلاثة أعوام، يعاني بعضهم تأخرًا في المشي أو بروز الأسنان، إلى جانب ضعف المناعة. كما تتحدث عن أطفال وُلدوا بإعاقات، وعن حالات ولادة مبكرة وإجهاض بين نساء حوامل، في ظل ظروف غذائية وصحية قاسية مروا خلالها في الموجة السابقة من المجاعة.

وتؤكد أهمية التعامل مع هذه الحالات طبيًا، وعدم إرجاع كل حالة منفردة إلى سوء التغذية من دون تقييم متخصص.

وتضيف أن المؤسسات العاملة في المجال الإنساني تبذل جهودًا لتوفير المكملات الغذائية، لكن هذه التدخلات، بحسب تقديرها، لا تغطي حجم الاحتياجات المتزايدة، وتلفت إلى أن المؤشرات الميدانية والتقارير المتعلقة بوفيات الأطفال المرتبطة بالمجاعة تعكس خطورة الوضع، مشيرة إلى رقم يقارب 446 طفلًا توفوا بسبب المجاعة.

وتشدد وادي على أهمية تناول البروتين وفق المصادر المتاحة، مثل العدس والفول والفاصوليا والتونة، ضمن استجابة غذائية أوسع تضمن توافر الطعام بكميات كافية، وتراعي احتياجات الأطفال والحوامل والمرضعات. لكنها تؤكد أن النصائح الغذائية وحدها لا تكفي عندما تكون الأصناف شحيحة أو أسعارها بعيدة عن قدرة الأسر على الشراء.

ويتقاطع تحذيرها مع ما يلفت إليه حسونة بشأن خطورة استمرار نقص الغذاء المتنوع؛ إذ لا تقتصر الأزمة على الحرمان الآني، بل قد تمتد آثارها إلى النمو والمناعة والقدرات الذهنية والصحة العامة، خصوصًا لدى الفئات الأكثر هشاشة.

وتعرب وادي عن خشيتها من تفاقم الأوضاع مع استمرار اختفاء أصناف غذائية ونفاد المخزون المتاح، لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء وما يصاحبه من انتشار للأمراض والعدوى. وتتابع حديثها: "كل يوم يمر من دون توفير الغذاء الكافي يزيد المخاطر الصحية"، داعية إلى تكثيف الضغط من أجل فتح المعابر وضمان دخول المساعدات والإمدادات الغذائية الأساسية بصورة منتظمة.

المصدر / فلسطين أون لاين