فلسطين أون لاين

حرب الكابلات.. كيف تحولت شرايين الإنترنت العالمي إلى هدف استراتيجي؟

...
حرب الكابلات.. كيف تحولت شرايين الإنترنت العالمي إلى هدف استراتيجي؟

تشكل كابلات الألياف الضوئية البحرية والبرية العمود الفقري للإنترنت العالمي، إذ تنقل البيانات والاتصالات بين القارات والدول، وتدعم عمل الحكومات والأسواق المالية والخدمات الرقمية. ومع تصاعد الصراعات الجيوسياسية، باتت هذه البنية التحتية الحيوية عرضة لمخاطر متزايدة، خصوصاً في الممرات الاستراتيجية مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز.

وتكتسب الكابلات البحرية أهمية متزايدة مع توسع الاقتصاد الرقمي والخدمات السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إذ تمر عبرها الغالبية العظمى من حركة البيانات الدولية، ما يجعل أي ضرر يصيبها تهديداً قد تتجاوز تداعياته حدود المنطقة المتضررة.

                                      البحر الأحمر ومضيق هرمز.. نقاط اختناق رقمية

وتبرز منطقة البحر الأحمر باعتبارها أحد أهم مسارات الاتصالات الرقمية بين آسيا وأوروبا، حيث تمر عبرها كابلات بحرية رئيسية ترتبط بشبكات الاتصالات الدولية عبر قناة السويس. وقد كشفت الأعطال التي أصابت عدداً من الكابلات في مارس/آذار 2024 عن مدى هشاشة هذا المسار، بعدما اضطرت شركات الاتصالات إلى إعادة توجيه حركة البيانات عبر طرق بديلة.

وفي مضيق هرمز، تتزايد المخاوف من انعكاسات التوترات العسكرية على الكابلات البحرية التي تربط جنوب شرق آسيا والهند بدول الخليج وأوروبا. ويزيد تمركز عدد من هذه المسارات في نطاق جغرافي محدود من مخاطر تعطل الاتصالات في حال وقوع حوادث بحرية أو أضرار متعمدة.

ولا تقتصر التهديدات على الاستهداف المباشر، إذ يمكن أن تتعرض الكابلات للأضرار نتيجة ارتطام مراسي السفن بها، أو أعمال الصيانة البحرية، أو الكوارث الطبيعية، فيما قد تؤدي النزاعات المسلحة إلى تعقيد عمليات الإصلاح وإطالة مدة انقطاع الخدمات.

                                 الكابلات البرية.. مسارات بديلة لا تخلو من المخاطر

وإلى جانب الشبكات البحرية، تؤدي الكابلات البرية دوراً أساسياً في نقل البيانات من محطات الإنزال الساحلية إلى مراكز البيانات وشبكات الاتصالات داخل الدول وعبر الحدود، كما توفر مسارات بديلة عند تعطل بعض الخطوط البحرية.

وتبرز أهمية هذه الشبكات في الشرق الأوسط، حيث تسعى دول عدة إلى تطوير ممرات رقمية تربط آسيا بأوروبا، وتعزز قدرتها على استضافة مراكز البيانات وتقديم الخدمات السحابية. وتمثل تركيا والعراق ودول الخليج أجزاء مهمة من هذه المنظومة الإقليمية، فيما تعكس المشاريع الجديدة لتوسيع شبكات الألياف الضوئية اتجاهاً نحو تنويع مسارات نقل البيانات.

لكن هذه المسارات تظل عرضة لمخاطر النزاعات المسلحة والتخريب والكوارث الطبيعية، ما يجعل حماية البنية التحتية الرقمية مسألة تتجاوز قطاع الاتصالات إلى الأمن الاقتصادي والاستراتيجي.

تهديد يتجاوز انقطاع الإنترنت

وتكمن خطورة تعطل الكابلات في أن تداعياته لا تقتصر على بطء الاتصال أو انقطاعه، بل قد تمتد إلى المدفوعات الإلكترونية والخدمات المصرفية والأنظمة الحكومية والتجارة الدولية، فضلاً عن الخدمات التي تعتمد على مراكز البيانات والحوسبة السحابية.

كما أن تضرر عدة كابلات في منطقة واحدة قد يفرض ضغطاً إضافياً على المسارات البديلة، ويؤدي إلى تراجع جودة الاتصال وارتفاع تكاليف نقل البيانات، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على عدد محدود من نقاط العبور الدولية.

وفي ظل هذه المخاطر، تزداد أهمية تنويع مسارات الكابلات، وتعزيز حماية محطات الإنزال، وتطوير آليات الاستجابة للأعطال، إلى جانب تحسين التنسيق الدولي لتسريع عمليات الإصلاح وضمان استمرارية الخدمات.

ومع تصاعد التنافس الدولي والتوترات العسكرية في الممرات البحرية الحيوية، لم تعد كابلات الإنترنت مجرد بنية تقنية مدفونة تحت البحار أو ممتدة عبر اليابسة، بل أصبحت أحد عناصر الأمن القومي والاقتصادي، وأحد المسارات التي يمكن أن تؤثر سلامتها في استقرار العالم الرقمي بأكمله.

المصدر / فلسطين أون لاين + وكالات