دق وجهاء ومخاتير وممثلو مخيمات ونازحون في غزة، ناقوس الخطر عقب إعلان برنامج الأغذية العالمي وقف المساعدات الغذائية عن نحو نصف مليون مواطن في القطاع بدعوى نقص التمويل.
ووصف المتحدثون في أحاديث منفصلة لصحيفة "فلسطين"، القرار بأنه ضربة قاضية للأسر التي تعيش تحت خط الفقر المدقع وفي ظروف نزوح قاسية من جراء العدوان والحصار الإسرائيلي المستمر، مشددين على أن تقليص المساعدات في هذا التوقيت الحرج يعمق الكارثة الإنسانية ويرتقي إلى مستوى "عقاب جماعي" وحكم بالإعدام البطيء على عشرات آلاف العائلات المحرومة.
مجاعة تهدد السلم الأهلي
وحذر المختار تيسير ملكة من العواقب الوخيمة لهذا القرار، مؤكدا أن الطرد الغذائي الذي يقدمه البرنامج كان يشكل شريان الحياة الوحيد لعشرات آلاف الأسر التي فقدت عملها ومصادر رزقها، وأن إيقافه سينقلها فورا إلى مربع المجاعة الحادة، داعيا إلى التراجع عن هذا القرار "الجائر"، واستمرار تقديم الخدمات.
وتساءل ملكة: "كيف يمكن لجهة دولية أن تتخذ قرارا بوقف المساعدات في وقت يشتد فيه الحصار والخناق على سكان القطاع؟ إن طرد المساعدة هو الشيء الوحيد الذي يضمن أن تجد الأسرة رغيف خبز على طاولتها في نهاية اليوم".
وتابع: "أي تقليص في هذا الوقت هو بمثابة رفع اليد عن إغاثة شعب منكوب، ونحن بلسان كل عائلات غزة نناشد الضمير العالمي التدخل الفوري وتدارك الوضع قبل حدوث كارثة إنسانية لا يمكن السيطرة عليها".
من جهته، شدد المختار ياسين عساف، على أن المجتمع الدولي ينبغي أن يتحمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه السكان المحاصرين في قطاع غزة، مشيرا إلى أن تقليص التمويل لا يمكن القبول به ذريعة لتجويع الشعب الفلسطيني وتجريده من أدنى مقومات الحياة.
بدوره، أوضح المختار نهاد عبدالله، أن الأوضاع الاقتصادية والإنسانية بلغت مرحلة من التردي غير المسبوق، واصفا القرار بأنه "كارثة مجتمعية" ستنعكس سلبا على الاستقرار والتماسك المجتمعي.
وفي السياق ذاته، أكد رجل الإصلاح ماجد الزعبوط، أن تقليص المساعدات يضاعف الأعباء الملقاة على عاتق الأسر التي تعيش في ظروف غاية في الصعوبة داخل المخيمات، داعيا المنظمات الدولية إلى مراجعة القرار فورا.
وأشار رجل الإصلاح محمد الغف، إلى أن خطورة هذا الإجراء تكمن في استهدافه للشرائح الأكثر هشاشة، لافتا إلى أن انقطاع الدعم الغذائي سيزيد من معدلات سوء التغذية بين الأطفال والأمهات، وهو ما ينذر بوقوع فاجعة إنسانية لا يحمد عقباها.
في حين طالب المختار ماهر الشوا، المؤسسات الدولية والجهات المانحة بالتدخل العاجل لسد الفجوة التمويلية، مؤكدا أن غزة لا تحتمل أي تقليص إضافي مع استمرار الحصار المشدد، وتوقف عجلة الاقتصاد كليا.
القادم أشد قسوة
وعلى صعيد إدارة المخيمات ومراكز النزوح، أفاد مدير مخيمات حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة محمد القصاص، بأن الوضع داخل مراكز الإيواء يمر بمرحلة انفجار غير مسبوقة، مشيرا إلى أن العائلات النازحة تعتمد كليا على ما يصدر عن المؤسسات الدولية، وقطع المساعدات يعني تركهم لمواجهة المصير المجهول بلا طعام أو مقومات عيش.
وتابع: "إن القدرة الاستيعابية لمراكز الإيواء والمخيمات استنزفت بالكامل، والإدارات القائمة على هذه المخيمات باتت واقفة أمام واقع عاجز عن تلبية أدنى مقومات الحياة اليومية من خبز وماء ولوازم أساسية".
وأكد أن انقطاع أو تقليص طرود برنامج الأغذية يعني حرمان عشرات آلاف الأسر النازحة من الخيار الأخير للبقاء، مشيرا إلى أن الآباء والأمهات سيدفعون إلى خيارات كارثية للبحث عن القوت، وهو ما يحول المخيمات من ملاذات إيواء مؤقتة إلى بؤر مأساوية تنفجر فيها الأزمات الصحية والإنسانية بشكل غير قابل للسيطرة.
من جهته، حذر الناطق باسم مخيمات جنوب مدينة غزة سامي الضاش، من التداعيات الميدانية للقرار، موضحا أن النازحين يعانون أصلا شح المواد الأساسية وارتفاع الأسعار، وأن هذه التقليصات سترمي بأكثر من نصف مليون مواطن في أتون الفقر المدقع، داعيا المجتمع الدولي إلى تحرك عاجل قبل فوات الأوان.
كيف سنطعم أطفالنا؟
وفي مراكز الإيواء والمخيمات، نزل القرار كالصاعقة على قلوب النازحين الذين نقلوا معاناتهم لصحيفة "فلسطين".
يقول المواطن وائل القايض (48 عاما)، النازح في أحد مراكز الإيواء: "نحن لا نطلب رفاهية، بل نطالب بالحد الأدنى من الطعام لنبقي أطفالنا على قيد الحياة. الطرد الغذائي رغم بساطته كان يدعمنا للبقاء، ومع وقفه لا نعلم من أين سنؤمن رغيف الخبز مع غياب أي مصدر دخل".
أما الحاجة أم عوني ياسين (65 عاما)، النازحة في مخيم الفارس بمدينة غزة، وهي أرملة تربي 6 أطفال لابنها الشهيد، فتحدثت بكلمات تعصرها الحسرة: "أنا امرأة مسنة وأرملة، وأتحمل مسؤولية أيتام ابني الشهيد. ليس لنا بعد الله إلا هذه المساعدات لنطعمهم. كيف سأشتري الخبز بعد اليوم؟ هل يريدون منا أن نرى أطفالنا يموتون جوعا أمام أعيننا؟".
من جانبه، عبر الشاب يوسف الداية (36 عاما)، النازح في مخيم الريس عن حالة العجز والصدمة التي تعيشها فئة الشباب وأرباب الأسر قائلا: "فقدنا بيوتنا وأعمالنا وبات كل همنا اليومي الحصول على طرد غذائي يسد رمق عائلاتنا. قرار برنامج الأغذية العالمي يرفع عنا غطاء الحماية الأخير، ويتركنا صيدا سهلا للمجاعة والمرض".
وأجمع المتحدثون على ضرورة تراجع برنامج الأغذية العالمي عن هذا القرار، والعمل الحثيث مع الدول المانحة لتوفير التمويل اللازم، محذرين من أن استمرار هذا التراجع سيفجر أزمة إنسانية لا يمكن السيطرة على تبعاتها في قطاع غزة.