في وقت ينتشر العوز والاحتياج بين خيام النازحين وأنقاض المنازل في قطاع غزة، يواجه نحو نصف مليون مواطن خطر فقدان المساعدات الغذائية عقب إعلان برنامج الأغذية العالمي تقليص مساعداته بدعوى نقص التمويل.
وتنذر هذه الخطوة بتوسيع رقعة الجوع وسوء التغذية، وتضع عشرات آلاف الأسر التي فقدت مصادر رزقها أمام خيارات معيشية أكثر قسوة وسط عجز متزايد عن تأمين وجبة طعام يومية.
ويأتي القرار مع استمرار التداعيات الإنسانية للحرب الإسرائيلية المستمرة للعام الرابع تواليا، وما خلفته من دمار واسع ونزوح جماعي وانهيار قطاعات اقتصادية وإنتاجية، فضلًا عن استمرار القيود المفروضة على إدخال المساعدات والاحتياجات الأساسية، بالرغم من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025.
وأعلن برنامج الأغذية العالمي تقليص مساعداته الغذائية في غزة بنحو الثلث اعتبارًا من تشرين الأول/ أكتوبر 2026، ليهبط عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية والنقدية من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص، بالتزامن مع خفض الحصص الغذائية والمساعدات النقدية وتقليص الوجبات اليومية المقدمة من 250 ألفًا إلى 150 ألف وجبة.
وأشار البرنامج إلى حاجته العاجلة إلى 450 مليون دولار لضمان استمرار عملياته الإنسانية في غزة والضفة الغربية خلال الفترة الممتدة من أكتوبر/ تشرين الأول 2026 حتى مارس/آذار 2027.
مجاعة تدريجية
وقال المنسق العام لتحالف منظمات المجتمع المدني الفلسطيني تيسير محيسن: إن قرار تقليص المساعدات يمثل ضربة قاسية للواقع الاقتصادي الهش الذي يعيشه سكان القطاع، في ظل تدمير الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 90% من مصادر الدخل والمكونات الاقتصادية التي كانت تتيح للأسر تأمين احتياجاتها الأساسية.
وأوضح محيسن، لصحيفة "فلسطين" أن أكثر من 85% من سكان غزة، باتوا عاطلين عن العمل، ما جعل شريحة واسعة من المواطنين تعتمد بصورة أساسية على المساعدات الإنسانية التي تقدمها المؤسسات الدولية بعد فقدان مصادر رزقها وتآكل قدرتها على شراء الغذاء والدواء والاحتياجات اليومية.
وأضاف: تقليص المساعدات في هذا التوقيت من دون توفير بدائل سيؤدي إلى اتساع الفجوة بين احتياجات السكان والإمكانات المتاحة لتلبيتها، محذرًا من أن استمرار هذا المسار قد يدفع نحو مجاعة تدريجية مع ٦ الحصار وتراجع الإمدادات الإنسانية.
وأشار إلى أن توقف المساعدات عن نحو نصف مليون غزي يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنهم الغذائي وقد يحرم أسرًا فقدت مصادر دخلها من الحد الأدنى من مقومات الحياة، في وقت لم تتعافَ فيه الأسواق المحلية ولم تستعد العائلات قدرتها على توفير الغذاء بصورة منتظمة.
وشدد محيسن، على ضرورة تحرك المجتمع الدولي لإيجاد مصادر تمويل عاجلة تضمن استمرار برامج الإغاثة، معتبرًا أن توفير 450 مليون دولار لاستمرار العمليات الإنسانية يمثل استثمارًا ضروريًا لإنقاذ السكان من تفاقم الكارثة قياسًا إلى حجم الدمار والاحتياجات المتراكمة في القطاع.
ولفت إلى أن تداعيات تقليص المساعدات لن تقتصر على نقص الغذاء بل ستمتد إلى الأطفال والنساء الحوامل والمرضى وكبار السن ولا سيما الفئات التي تعاني سوء التغذية أو تحتاج إلى رعاية صحية مستمرة.
وانتقد محيسن، تراجع الدعم المقدم للمؤسسات الإغاثية في وقت تتزايد فيه الاحتياجات، داعيًا إلى تمكين وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" من أداء دورها وتوفير التمويل اللازم لها وللمؤسسات الإنسانية الأخرى، محذرًا من أن تقليص المساعدات بصورة متتابعة يهدد آلاف الأسر التي تعتمد عليها للبقاء.
كارثة إنسانية
من جانبها، قالت المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في غزة عزيزة الكحلوت: إن وقف المساعدات الغذائية ينذر بكارثة إنسانية حقيقية تطال عشرات الآلاف من الأسر الفقيرة والأرامل والمسنين وذوي الإعاقة إلى جانب الفئات الأكثر هشاشة وتضررًا من تداعيات الحرب.
وأضافت الكحلوت، لصحيفة "فلسطين" أن الوزارة لا تمتلك الإمكانات المالية والموارد الكافية لتعويض الأسر المتضررة عن المساعدات التي قد تفقدها، مطالبة الجهات الدولية والمحلية المعنية بإعلان حالة الطوارئ الإنسانية وتشكيل لجان وخلايا أزمة عاجلة لتوفير بدائل تضمن استمرار برامج المساعدات الغذائية دون تأخير.
وأوضحت أن توقف البرامج الإغاثية في ظل وجود نحو مليون ونصف المليون نازح في مخيمات الإيواء يفاقم مخاطر سوء التغذية خصوصًا بين الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة الذين يواجهون ظروفًا معيشية وصحية بالغة الصعوبة.
وأشارت إلى أن قاعدة بيانات المنظومة الوطنية للإغاثة التي تعتمد عليها مؤسسات عدة في توزيع المساعدات إلى جانب مراكز خدمات الجمهور التابعة للوزارة في مختلف مناطق القطاع، تكشف حجم الاحتياج المتزايد من خلال متابعة شكاوى المواطنين وزياراتهم المتكررة طلبًا للمساعدة.
وأكدت الكحلوت، ضرورة تعزيز التعاون والتكافل وتوحيد الجهود بين الجهات المعنية واتخاذ قرارات عاجلة لتأمين الغذاء والمستلزمات الأساسية للأسر المهددة بفقدان قوت يومها، محذرة من اتساع رقعة الفقر وتراجع القدرة الشرائية وانقطاع أصناف أساسية من الأسواق يزيد من حدة انعدام الأمن الغذائي.
ورغم مرور عام على دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ لا تزال الظروف المعيشية في غزة، بعيدة عن التعافي بفعل الدمار الواسع وفقدان مصادر الدخل واستمرار النزوح إلى جانب القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال المواد الغذائية والأدوية واللوازم الطبية ومواد الإيواء والكرفانات.
وبين نقص التمويل واتساع الاحتياجات يجد مئات الآلاف من سكان القطاع، أنفسهم أمام تهديد جديد يمس أبسط حقوقهم وهو الحصول على الغذاء في حين تزداد المطالبات بتحرك دولي عاجل يضمن استمرار المساعدات قبل أن تتحول فجوة التمويل إلى أزمة أعمق يدفع ثمنها الأطفال والمرضى والفئات الأشد فقرًا.


