فلسطين أون لاين

لقمتنا مغمسة بالدم".. الحكاية الأخيرة للشهيد أحمد المفتي

...
لقمتنا مغمسة بالدم".. الحكاية الأخيرة للشهيد أحمد المفتي
غزة/ إبراهيم أبو شعر:

لم تكتفِ الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بتدمير المنازل وتشريد العائلات، بل سلبت الفلسطينيين أبسط مقومات الحياة، ودفعتهم إلى مواجهة الجوع والخوف والنزوح، في رحلة بحث يومية عن مأوى آمن ولقمة تسد الرمق. 

وبين ركام البيوت ومراكز النزوح، تتجلى حكايات إنسانية تختصر حجم المأساة، إحداها قصة أحمد محمد محمود المفتي، قائد منتخب فلسطين لكرة الطائرة، الذي عاش مرارة الحرب، وتقاسم مع أبناء شعبه قسوة الجوع، قبل أن يرتقي شهيدا وهو في طريق البحث عن المساعدات.

لم يكن أحمد المفتي مجرد لاعب ارتدى قميص المنتخب الوطني وشارك في البطولات العربية والدولية، بل كان قائدا عرفه زملاؤه بروحه المعنوية العالية، وإنسانا جسّد في أيام الحرب معاني الشهامة والإيثار، حتى عندما وجد نفسه عاجزا عن تأمين أبسط احتياجاته واحتياجات أسرته.

من مخيم جباليا إلى قيادة المنتخب

وُلد المفتي في السعودية يوم 4 مايو/أيار 1989، قبل أن تعود عائلته إلى قطاع غزة للاستقرار فيه، حيث نشأ وترعرع في مخيم جباليا شمال القطاع. وهناك، تأثر باهتمام الشباب بكرة الطائرة في المدارس والمساجد، وبروز عدد من نجوم اللعبة في شمال غزة، ليبدأ رحلته الرياضية من نادي شباب جباليا.

بفضل موهبته والتزامه، نجح المفتي في الوصول إلى المنتخب الفلسطيني، وأصبح أحد لاعبيه الذين حظوا بثقة المدربين، قبل أن يتولى قيادة المنتخب الوطني، جامعا بين قدراته الفنية وشخصيته القيادية داخل الملعب.

ومثّل فلسطين في عدد من الاستحقاقات، أبرزها دورة الألعاب العربية في قطر عام 2011، والبطولة العربية في مصر عام 2015، ودورة التضامن الإسلامي في إندونيسيا عام 2016، ثم البطولة العربية في مصر عام 2017.

كما شارك مع شباب جباليا في بطولة الأندية العربية بتونس عام 2019، وقاد المنتخب الوطني في دورة الألعاب العربية بالجزائر عام 2023، ليترك بصمته في مسيرة كرة الطائرة الفلسطينية.

لم تقتصر مكانته على ما قدمه فنيا، إذ عُرف بتشجيع زملائه وبث الحماس في نفوسهم، والحرص على تقديم أفضل ما لديهم. وخلال جائحة كورونا، عندما توقفت المنافسات الرياضية، اتجه إلى ممارسة كمال الأجسام، وظلت الرياضة جزءا أساسيا من حياته حتى جاءت الحرب لتقلب تفاصيلها رأسا على عقب.

7a51f95a-44af-43db-935b-b8c13dfddc0b.jpg
 

منزل مدمر وذكريات تحت الركام

مع اندلاع الحرب، وجد المفتي نفسه وعائلته في مواجهة القصف والنزوح، بعدما تحولت الحياة التي عرفها إلى سلسلة من المحن اليومية. وعلى مدار نحو عام ونصف، عاش تحت القصف، ونجا من أخطار الحرب أكثر من مرة، قبل أن يفقد حياته في نهاية المطاف.

وكان من أكثر المشاهد إيلاما في قصته نشره صورة لمنزله المدمر، بعدما طال الخراب ملابسه الرياضية والجوائز التي جمعها خلال سنوات من العطاء في الملاعب.

لم يكن ما فقده مجرد مقتنيات، بل ذكريات رحلة طويلة من التدريب والمنافسة وتمثيل فلسطين. فالجوائز التي كانت توثق محطات نجاحه، والملابس التي ارتداها في مسيرته، تحولت إلى جزء من خسائر حرب لم تترك له سوى صور الماضي وواقع مثقل بالحرمان.

ومع انهيار الاستقرار، لم يعد اهتمام المفتي منصبا على الرياضة والبطولات، بل بات توفير الطعام لأطفاله والدواء لوالدته المريضة أولويته الأساسية، في وقت كان فيه الحصول على الاحتياجات الضرورية تحديا يوميا لآلاف العائلات الفلسطينية.

خيمة منحها لعائلة.. وتمر وماء لمواجهة الجوع

تكشف روايات أصدقاء المفتي جانبا مؤثرا من حياته خلال الحرب؛ إذ عاش المجاعة مثل بقية النازحين، وأخبر بعض أصدقائه أنه اضطر إلى الاكتفاء بالتمر والماء أياما عدة، فيما كان ينام داخل سيارته بعدما أهدى خيمته لعائلة أخرى تبحث عن مكان يأويها.

كان المفتي نفسه بحاجة إلى مأوى يحميه من قسوة الظروف، لكنه اختار أن يمنح خيمته لعائلة رأى أنها تحتاج إليها، رغم ما كان يعيشه من معاناة. ولم تمنعه حاجته من الشعور بآلام الآخرين، فكان إيثاره انعكاسا لشخصية لم تتخلَّ عن مسؤوليتها الإنسانية حتى في أقسى اللحظات.

خارج الملعب، حيث لا جماهير تهتف ولا منصات تتويج، واصل قائد المنتخب تقديم نموذج مختلف للقيادة؛ لم يعد الأمر متعلقا بتشجيع زملائه على الفوز، بل بمساندة أشخاص يواجهون الجوع والتشرد، في وقت أصبح فيه توفير الطعام والمأوى معركة يومية من أجل البقاء.

وينقل شقيقه أن من آخر كلمات المفتي: "لقمتنا مغمسة بالدم"، وهي عبارة تختصر حجم المعاناة التي عاشها الفلسطينيون في غزة، حيث ارتبطت رحلة الحصول على الطعام بالخوف والمخاطر، ولم تعد لقمة العيش أمرا مضمونا حتى لمن يسعون إليها.

استشهاد على طريق المساعدات

في الخميس 19 يونيو/حزيران 2025، انتهت رحلة أحمد المفتي باستشهاده إثر استهداف مجموعة من منتظري المساعدات شرق مخيم النصيرات وسط قطاع غزة.

رحل اللاعب الذي حمل اسم فلسطين في المحافل الرياضية، بعد أن عاش شهورا من القصف والنزوح والجوع، ووجد نفسه في مواجهة واقع يضطر فيه الناس إلى المخاطرة بحياتهم للحصول على احتياجاتهم الأساسية.

برحيله، انضم المفتي إلى شهداء الحركة الرياضية الفلسطينية الذين فقدوا حياتهم خلال الحرب، تاركا خلفه مسيرة رياضية حملت اسم فلسطين، وحكاية إنسانية تجاوزت حدود الملاعب.

فقد كان قائدا يشجع زملاءه على بذل أقصى ما لديهم، لكنه أظهر في أيام الحرب بطولة من نوع آخر، حين تقاسم الجوع مع أبناء شعبه، وتنازل عن مأواه لمشرّد، وظل يحمل هم أطفاله ووالدته وسط الخراب.

رحل أحمد المفتي، لكن قصته بقيت شاهدة على مأساة غزة، وعلى إنسان اختُبر في أصعب الظروف، فكانت مواقفه الإنسانية امتدادا لروحه القيادية، حتى آخر فصول حياته.

المصدر / فلسطين أون لاين