من قلب الحرب على غزة، حيث تحوّل الخبز إلى حكاية، والماء إلى رحلة، والخيمة إلى عنوان لفقدان الأمان، جاءت المجموعة القصصية "مادة دسمة للبكاء" للدكتور محمود عساف، محاولة أدبية لالتقاط تفاصيل الحياة التي تختفي خلف أرقام الضحايا ومشاهد الدمار، وإعادة الإنسان إلى مركز الحكاية.
يقول عساف لصحيفة "فلسطين": "لم تولد فكرة المجموعة من رغبة في الكتابة عن الحرب بوصفها حدثًا استثنائيًا، بقدر ما وُلدت من شعوري بأن ثمة حياة كاملة تجري خلف المشهد الذي تنقله الأخبار".
فكونه كاتبًا وأكاديميًا وباحثًا يعيش تفاصيل الحرب، وجد أن الكتابة محاولة للإمساك بالتفاصيل قبل أن تبتلعها الأيام، في وقت بات أبسط احتياجات الإنسان معارك يومية تستنزف وقته وطاقته.
ويضيف: "لم أكن أكتب من خارج المأساة، بل من داخلها؛ أعيش تفاصيلها وأراقب ما تفعله بالناس، وأحاول أن ألتقط من بين ركام الأيام حكايات تستحق أن تُروى". وهكذا، لم تكن الكتابة ترفًا أدبيًا، بل وسيلة لفهم التجربة الإنسانية وحفظ ما قد يضيع من تفاصيلها.
ويحمل عنوان المجموعة مفارقة بين الدسامة التي توحي بالوفرة والإشباع، والبكاء الذي يكشف الألم والفقد والعجز، ويوضح عساف أن في غزة، أصبحت الحياة تقدم للإنسان من الأسباب ما يكفي لأن يبكي طويلًا، حتى بدا الحزن كأنه مادة متجددة لا تنفذ.
ولا يقتصر العنوان على استحضار الوجع، بل يستبطن سخرية سوداء فرضتها الحرب؛ ففي الوقت الذي يبحث فيه الناس عن الطعام، يجدون أنفسهم أمام مادة أخرى دسمة، لكنها لا تشبع مجوعا، ولا تعيد غائبًا، ولا ترمم بيتًا. إنها مفارقة تختصر حياة تتكاثر فيها أسباب البكاء، بينما تتراجع أسباب الطمأنينة.
وتضم المجموعة سبع عشرة قصة قصيرة، استلهم عساف بعضها من وقائع عاشها أو شاهدها، وبعضها من حكايات سمعها، ثم أعاد الخيال تشكيلها فنيًا، مؤكدًا أن غايته لم تكن تسجيل الأحداث حرفيًا، بل الكشف عما تتركه في النفوس والعلاقات.
ويوضح أن القصة ليست محضرًا للأحداث، بل محاولة لفهم ما وراءها، وما تتركه في النفوس.
وفي قصصه، لا تظهر الحرب في آثار القصف وحدها، بل في المطابخ التي فرغت من الطعام، والأوعية التي تنتظر الماء، والخيام التي تفتقر إلى الخصوصية، والهواتف التي تتحول إلى وسيلة للاطمئنان إلى الغائبين أو الاستغاثة بالعالم.
ويتابع عساف حديثه: "فالحرب أعادت ترتيب سلم الحاجات الإنسانية؛ فما كان عاديًا أصبح هدفًا يوميًا يستنزف الجهد والوقت"، مضيفًا: "أردت أن أكتب عن الحرب من المكان الذي يعيش فيه الإنسان آثارها المباشرة، لا من المكان الذي تُرصد منه نتائجها فحسب".
فالخيمة ليست مجرد مأوى مؤقت، والخبز ليس طعامًا فحسب، والهاتف ليس جهازًا للاتصال فقط؛ إنها جميعًا شواهد على فقدان الاستقرار وتبدل الحياة. ومن خلالها يحاول الكاتب نقل ما تعجز الصور والأرقام وحدها عن التعبير عنه، من خوف وارتباك نفسي وتآكل للشعور بالأمان.
بين الخوف والتكافل
ولم تغفل المجموعة التحولات التي أصابت العلاقات الإنسانية تحت ضغط التجويع والنزوح وشح الموارد، فقد كشفت الحرب، بحسب عساف، ممارسات استغلت حاجة الآخرين، لكنها أظهرت أيضًا أشخاصًا تمسكوا بالتكافل والإيثار رغم خوفهم ومعاناتهم.
ويشدد على أن الحرب لا يمكن اختزالها في إظهار أسوأ ما في الإنسان أو أفضل ما فيه، قائلًا: "لقد كشفت عن تناقضاته، وعن هشاشة بعض القيم حين تصبح كلفة الالتزام بها مرتفعة، وعن رسوخ قيم أخرى لدى أشخاص تمسكوا بها رغم الظروف".
وفنيًا، حرص الكاتب على تجنب المباشرة واستدرار الشفقة، مفضلًا أن تنبع المشاعر من تفاصيل الحكاية وتصرفات الشخصيات، واستعان بالمفارقة والسخرية السوداء للتعبير عن عبثية بعض المواقف، مؤمنًا بأن الإنسان في الحرب لا يفقد تعقيده، بل يظل قادرًا على الخوف والغضب والضحك والمحاولة.
ولا يرى عساف أن الأدب بديل عن الصحافة أو قادر وحده على وقف الحرب وتحقيق العدالة، لكنه يمنح الإنسان مساحة تتجاوز حدود الخبر والإحصاء. ويقول: "الأدب يستطيع أن يقاوم اختزال الإنسان، وأن يمنح الذاكرة لغة، وأن يجعل ما حدث أكثر حضورًا في الوعي الإنساني".
ويخشى أن تبقى العناوين الكبرى في الذاكرة، بينما تتلاشى التفاصيل التي تشرح كيف عاش الناس النزوح والتجويع والانتظار، وكيف حاولوا بناء حياة مؤقتة وسط الانهيار، كما يخشى أن يؤدي تكرار مشاهد الألم إلى اعتياد المأساة وفقدان القدرة على التفاعل معها.
لذلك، يتمنى أن يقرأ الجمهور "مادة دسمة للبكاء" بوصفها عملًا أدبيًا يفتح أسئلة عن الإنسان وكرامته وعلاقاته، لا مجرد شهادة تستدعي الحزن. ويختتم هاجسه بالقول: "ما أخشاه حقًا ليس أن ينسى الناس تفاصيل الحرب فحسب، بل أن يتذكروا حجم الدمار وينسوا الإنسان الذي عاشه".