تتواصل معاناة مستفيدي الشؤون الاجتماعية في قطاع غزة، مع استمرار انقطاع المخصصات المالية عنهم منذ نحو خمس سنوات، وسط غياب الاستجابة لمناشداتهم المتكررة من الجهات المسؤولة في السلطة برام الله والمؤسسات الدولية.
يأتي ذلك في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية والمعيشية بفعل تداعيات حرب الإبادة، التي دفعت آلاف الأسر إلى مواجهة الفقر والنزوح وفقدان مصادر الدخل، وجعلت تأمين الاحتياجات الأساسية معركة يومية للبقاء.
وبالنسبة إلى هذه الفئات، لا تمثل المخصصات المالية مجرد مبالغ محدودة تُصرف على فترات متباعدة، بل تشكل سندًا أساسيًا يساعدها على توفير الغذاء والدواء والاحتياجات الضرورية، لا سيما المرضى وكبار السن والأرامل والأسر التي لا تمتلك مصدر دخل ثابتًا.
أعباء معيشية وصحية
ويجسد أبو خالد حسين، البالغ من العمر 62 عامًا والمصاب بمرض السرطان، جانبًا من هذه المعاناة المتفاقمة، إذ يقول إنه كان يعتمد قبل الحرب، ولو جزئيا، على المخصص المالي الذي كانت تصرفه وزارة التنمية الاجتماعية، والبالغ نحو 750 شيقلًا كل ثلاثة أو أربعة أشهر، وهو مبلغ محدود، لكنه كان يشكل بالنسبة إليه مصدرًا مهمًا للمساعدة في توفير الأدوية واللوازم الغذائية والاحتياجات الضرورية.
ويضيف حسين لصحيفة "فلسطين" أن انقطاع المخصص قبل الحرب وضعه أمام أعباء معيشية وصحية متزايدة، خاصة مع حاجته المستمرة إلى العلاج وما يترتب عليه من متطلبات لا يستطيع الاستغناء عنها.
ويوضح أنه شارك، إلى جانب مستفيدين آخرين، في وقفات احتجاجية ومناشدات طالبت بإعادة صرف المخصصات، انطلاقًا من إدراكهم أن هذه المبالغ، على تواضعها، تمثل شريان حياة للأسر التي تعيش أوضاعًا اقتصادية صعبة، إلا أن تلك المطالب لم تجد الاستجابة التي كانوا يأملونها.
ويتابع أن اندلاع الحرب لم يؤدِّ إلى تفاقم معاناته الصحية والمعيشية فحسب، بل سلبه أيضًا الاستقرار الذي كان يوفره منزله، بعدما دُمّر المنزل وفُقدت محتوياته، ليجد نفسه نازحًا في خيمة داخل أحد مراكز الإيواء وسط قطاع غزة، في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الإنسانية.
ويشير إلى أنه يعيش برفقة زوجته المسنة وابنته في واقع بالغ القسوة، تتداخل فيه معاناة المرض مع مشقة النزوح وضيق الحال وصعوبة توفير الاحتياجات اليومية.
ويؤكد أن الأسرة باتت تواجه أعباء تفوق قدرتها على الاحتمال، مع غياب مصدر مالي ثابت يمكن الاعتماد عليه لتأمين الغذاء والعلاج ولوازم الحياة الأساسية.
ويعرب عن استيائه من استمرار تجاهل مناشدات المستفيدين، على الرغم مما آلت إليه أوضاعهم بعد الحرب، مشددًا على أن الفئات الأكثر هشاشة لا تستطيع مواجهة هذه الظروف بمفردها، وأن إعادة صرف المخصصات الاجتماعية لم تعد مسألة قابلة للتأجيل، بل ضرورة ملحة للتخفيف من معاناة المرضى وكبار السن والأسر الفقيرة التي فقدت منازلها ومصادر رزقها.
أوضاع صعبة
من جانبها، تؤكد الأرملة إنعام عمران أن واقع مستفيدي الشؤون الاجتماعية في قطاع غزة يعكس حجم الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية المتزايدة والاستجابة المحدودة من الجهات المعنية، مشيرة إلى أن الأسر التي كانت تعتمد على هذه المخصصات أصبحت تواجه أوضاعًا أكثر صعوبة مع استمرار انقطاعها، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي خلفتها الحرب.
وتوضح عمران لـ"فلسطين" أن الأرامل والأسر التي تعيل أبناءها بمفردها من بين الفئات الأكثر تضررًا، إذ تتحمل هذه الأسر مسؤوليات كبيرة في توفير الغذاء والاحتياجات اليومية، في وقت تتراجع فيه فرص الحصول على مصادر دخل، وترتفع فيه تكاليف المعيشة، وتتزايد فيه الاحتياجات الأساسية التي لم تعد الإمكانات المحدودة قادرة على تلبيتها.
وتعرب عمران (48 عاماً) عن استغرابها من عدم إيلاء وزارة التنمية الاجتماعية في رام الله والمؤسسات الأخرى ذات العلاقة اهتمامًا كافيًا بالواقع الذي يعيشه المستفيدون، مؤكدة أن استمرار تجاهل أوضاعهم يضاعف شعورهم بالعجز، ويتركهم في مواجهة ظروف قاسية دون مظلة حماية اجتماعية فاعلة.
وتشدد على أن المخصصات الاجتماعية حق أساسي للفئات التي تعتمد عليها في تأمين متطلبات حياتها، وليست مساعدة ثانوية يمكن الاستغناء عنها، مطالبة الجهات المسؤولة بتحمل مسؤولياتها، والتحرك عاجلا لمعالجة ملف المستفيدين وإعادة صرف مستحقاتهم، بما يخفف من الأعباء الملقاة على عاتقهم ويحفظ كرامتهم الإنسانية.
وتعكس البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة ووكالاتها حجم الأزمة الإنسانية والمعيشية في قطاع غزة، وما تفرضه من أعباء متزايدة على الأسر الفقيرة والفئات الأكثر هشاشة، التي باتت تواجه صعوبات كبيرة في توفير الغذاء والدواء والمأوى والاحتياجات الأساسية.
لا دعم حقيقي
وبين صبحي المغربي، المتحدث باسم الهيئة العليا للمطالبة بحقوق مستفيدي الشؤون الاجتماعية في قطاع غزة أن السلطة في رام الله والدول العربية لا تقدم أي دعم حقيقي أو مساعدة مالية وغذائية لهذه الشريحة التي تعاني الأمرين جراء الحصار والحرب.
وأوضح المغربي لـ "فلسطين" أن المنتفعين لم يتلقوا مستحقاتهم المالية بانتظام، حيث يُصرف لكل منتفع ثلاثة أو أربعة مستحقات فقط عن السنة الواحدة، وهو ما يعادل دورة صرف كل ثلاثة أشهر، وذلك حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة. ومع دخول الحرب عامها الرابع، توقفت الدفعات كلياً.
وأضاف أن عدد منتفعي الشؤون الاجتماعية في قطاع غزة قفز من نحو 81 ألف مستفيد مسجل بصورة رسمية قبل الحرب إلى نحو 500 ألف مستفيد، نتيجة وقوع أعداد هائلة من العائلات في دائرة الفقر والنزوح وفقدان المعيلين، في وقت تستمر فيه الحرب وحصد أرواح المدنيين دون توقف.
وانتقد المغربي غياب أي دور حقيقي لوزارة التنمية الاجتماعية برام الله، مشيراً إلى أن ما يُتداول عن استمرار تقديم خدمات هو أمر غير واقعي، إذ لا توجد أي مساعدات نقدية، أو تموينية، أو إغاثية تصل إلى غزة.
وأشار إلى أن قطاع غزة شُطب تماماً من برامج السلطة، ولا تخضع أزمة القطاع لأي اهتمام رسمي أو حتى إنساني من الدول المشاركة في الحرب.
و بين المغربي أن الاحتلال الإسرائيلي يقصف بوحشية أي تجمعات للمواطنين، ما يجعل تنظيم وقفات احتجاجية لمنتفعي الشؤون الاجتماعية أمراً شديد الخطورة يعرض حياة المشاركين للقصف المباشر.
ووجه نداءً عاجلاً إلى الدول الأوروبية والدول الداعمة للتدخل الفوري والضغط من أجل إنهاء المعاناة الاقتصادية والمعيشية للمنتفعين.
وأهاب بمنظمات حقوق الإنسان العالمية بالنظر إلى أوضاع أسر الشؤون الاجتماعية بوصفها الفئة الأكثر هشاشة وتضرراً في القطاع.