لم تكن نجوى عبد الهادي تتخيّل أن تستيقظ على فاجعة جديدة، بعد عامين من فقدان زوجها في غارة إسرائيلية، لكن خبر استشهاد نجلها مجد، البالغ من العمر 15 عامًا، أعاد فتح جرح لم تندمل آلامه، وأضاف إلى مأساتها وجعًا آخر لا تعرف كيف تحتمله.
أمام مشرحة مجمع ناصر الطبي في مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، وقفت الأم المكلومة تودّع طفلها الذي انتُشل جثمانه من منطقة قيزان النجار، قرب ما يسمى الخط الأصفر، بعدما تعرّض لإطلاق نار إسرائيلي، وفق إفادة أسرته.
وبين دموعها وكلماتها الموجوعة، كانت تردّد أن نجلها لم يحمل سلاحًا ولم يفعل شيئًا ليقتله الاحتلال.
وقالت نجوى وهي تحتضن وجعها: "الله يرحمك يما يا حبيبي، والله ما معاه لا بارودة ولا معاه حاجة"، قبل أن تستنجد بالصبر على مصابها الجديد، مردّدة: "يا رب صبّر قلبي".

وتروي الأم أن نجلها خرج من المنزل بعدما ناداه أطفال آخرون للخروج معهم، ولم تكن تتوقع أن تكون تلك اللحظات الأخيرة التي ستراه فيها.
وبعد نحو ساعتين، تلقت اتصالًا يخبرها باستشهاده، من دون أن تتمكن في البداية من معرفة مكانه على وجه الدقة.
وتضيف أن مجد كان قرب الخط الأصفر، فيما عاد الأطفال الذين كانوا برفقته إلى المنطقة الغربية، بينما بقي هو في المكان، بعدما أُصيب في ساقيه، ولم يتمكن الموجودون من إخلائه في حينه.
وانتهى انتظار الأسرة بانتشال جثمانه، لتجد الأم نفسها أمام خسارة طفل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره.
وتقول بحرقة: "طفل 15 سنة، 15 سنة يا الله، والله ما عمل إشي"، قبل أن تستعيد ذكرى زوجها الذي استشهد قبل عامين، وتعبّر عن عجزها أمام تتابع الفواجع التي تحاصر أسرتها.
احكي لبابا إننا مشتاقين له
ولم يكن وقع الفاجعة أقل قسوة على شقيقته حنين، التي وجدت نفسها أمام جثمان مجد، تستعيد فقدان والدها وتبكي شقيقها الذي رحل قبل أن تتجاوز الأسرة صدمة غياب أبيها.
وبين شهقات البكاء، قالت حنين: "والله لسه ما لحقنا نتلقى صدمة فقدان أبوي"، قبل أن تخاطب جثمان شقيقها بكلمات تختصر حجم الحرمان الذي تعيشه الأسرة: "احكي لبابا إحنا مشتاقين له".
وأضافت أن الأسرة فقدت اثنين من أغلى أفرادها، قائلة: "فقدت أبوي وهي كمان أخوي، والله تعبنا، راحوا الغاليين"، في مشهد يجسّد كيف تتراكم الخسارات على عائلات فقدت أفرادها واحدًا تلو الآخر، من دون أن تجد فرصة لالتقاط أنفاسها أو استيعاب حجم الفقد.

ويأتي استشهاد مجد في ظل استمرار إطلاق قوات الاحتلال النار بكثافة من الآليات العسكرية المتمركزة قرب الخط الأصفر، باتجاه المناطق الغربية المكتظة بالسكان والنازحين في قطاع غزة، وفق المعطيات الواردة من المنطقة.
ويعيش آلاف النازحين في مساحة ضيقة، داخل خيام ومنازل متهالكة، بعدما دفعتهم الحرب والنزوح إلى مناطق تفتقر إلى مقومات الحياة والأمان، ليجدوا أنفسهم أمام خطر الرصاص الذي يلاحقهم حتى في المناطق التي لجؤوا إليها بحثًا عن النجاة.
وبينما كانت الأسرة تودّع مجد أمام مشرحة مجمع ناصر، لم تكن حنين تبكي شقيقها وحده، بل كانت تستعيد والدها الذي سبق أن فقدته، وتعبّر عن وجع عائلة لم تجد وقتًا للتعافي من خسارتها الأولى، حتى باغتها الموت مجددًا، هذه المرة بطفل لم يُكمل عامه السادس عشر

