فلسطين أون لاين

 الاحتلال يراهن على الضغط والتهجير بعد فشله في تحقيق أهداف الحرب

حوار صالح: الإبادة بغزة غيرت صورة الاحتلال وعززت حضور القضية الفلسطينية عالميًا

...
المدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات د. محسن صالح
غزة-بيروت/ حوار- محمد الأيوبي:

يرى المدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت، د. محسن صالح أن حرب الإبادة على قطاع غزة أحدثت تحولات في صورة الاحتلال الإسرائيلي عالميًا، وأضعفت سرديته السياسية والإعلامية، في ظل تصاعد التأييد للقضية الفلسطينية وتراجع التعاطف معه، بالتوازي مع إخفاقه في تحقيق أهدافه رغم حجم الدمار والقوة الهائلة المستخدمة.

ويقول صالح في حوار مع "فلسطين أون لاين"، إن تداعيات الحرب تجاوزت قطاع غزة، لتطال البيئة الإقليمية مع تزايد المخاوف من السياسات الإسرائيلية ومساعي التهجير وتوسيع الهيمنة، بما أضعف الثقة بالاحتلال وألقى بظلاله على مسارات التطبيع.

ويحذر من استمرار محاولات الاحتلال إخضاع قطاع غزة ونزع سلاح المقاومة وفرض وقائع جديدة، مشيرًا إلى أن التحولات في الرأي العام العالمي قد تعزز القضية الفلسطينية، وإن كان انعكاسها على المواقف الرسمية الغربية يحتاج إلى وقت.

تراجع السردية الإسرائيلية

وفي ما يتعلق بتأثير الحرب على صورة الاحتلال عالميًا، يشير صالح إلى أن الرأي العام الدولي شهد تحولات واسعة، مع ارتفاع نسب التأييد للحق الفلسطيني في دول عدة، بما فيها الولايات المتحدة، لافتًا إلى أن التأييد لفلسطين تجاوز، للمرة الأولى، التعاطف مع الاحتلال داخل المجتمع الأمريكي، وفق تقديره.

ويعزو هذا التحول إلى ما كشفته الحرب من ممارسات إسرائيلية، شملت القتل الواسع للمدنيين، واستهداف الأطفال والنساء، وتدمير المؤسسات المدنية والبنية التحتية، معتبرًا أن الاحتلال أظهر في سعيه لتحقيق أهدافه في قطاع غزة، مستوى غير مسبوق من التوحش والدمار، بما أسهم في كشف طبيعته أمام الرأي العام العالمي.

وفي هذا الإطار، يشير صالح إلى أن الاحتلال، بدعم أمريكي استخدم أكثر من 200 ألف طن من المتفجرات، بما يعادل أكثر من 14 قنبلة نووية من تلك التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي، بحسب تقديره، ومع ذلك لم يؤدي حجم القوة المستخدمة إلى تحقيق الأهداف الإسرائيلية المعلنة.

وفي المقابل، أظهرت المقاومة قدرة على الصمود ومواجهة الطغيان، مستندة إلى الإمكانات المتاحة لديها، وإلى قيم الصبر والثبات والتضحية، ما جعلها نموذج إلهام في البيئتين العربية والإسلامية، بل وامتد تأثيرها إلى قطاعات من الرأي العام العالمي، وفق حديث صالح.

ولم تقف آثار الحرب عند تراجع التعاطف مع الاحتلال، بل طالت الأسس التي قامت عليها سرديته السياسية والإعلامية؛ إذ يرى صالح أن الحرب أضعفت صورته بوصفه واحة للديمقراطية، كما قوضت قدرته على تبرير عملياته تحت ذريعة ما يسمى بـ"الدفاع عن النفس"، أو تصوير التضامن مع الفلسطينيين باعتباره تعبيرًا عن العداء لليهود، معتبرًا أن هذه المقولات لم تعد تحظى بالقبول لدى قطاعات متزايدة من الجمهور العالمي.

وعلى المستوى القانوني، يستشهد صالح بإحالة الكيان الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية، إصدار محكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق عدد من قادته، معتبرًا أن هذه التطورات تعكس حجم التدهور الذي أصاب صورة الاحتلال حيث يواجه الكيان الإسرائيلي ظروفًا شديدة الصعوبة على مستوى صورته العالمية، نتيجة الوحشية التي ظهرت خلال الحرب، وكشفت حقيقته أمام العالم.

إضعاف مسارات التطبيع

على المستوى الإقليمي، يرى صالح أن "طوفان الأقصى" أحدث تغييرات في النظرية الأمنية الإسرائيلية، إذ لم يعد الاحتلال يعتمد على الردع بالتهديد وحده، بل اتجه، ما أسماه "الردع بالتدمير"، إلى جانب "الردع بالمنع"، القائم على استهداف المواقع التي يُحتمل أن تشكل خطرًا عليه.

ويعكس هذا التحول، بحسب صالح، توجه "إسرائيل" نحو توسيع نطاق السيطرة والهيمنة المتغطرسة، ليس داخل فلسطين المحتلة فحسب، بل في البيئة الإقليمية أيضًا، مشيرًا إلى مساعي جيش الاحتلال لإنشاء أحزمة أمنية في لبنان وسوريا، وما ترتب عليها من توترات ومواجهات، ولا سيما في الساحة اللبنانية.

وفي موازاة ذلك، فإن محاولات خلق بيئات طاردة للفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، ودفعهم إلى التهجير، جعلت السياسات الإسرائيلية تمثل مصدر قلق للأمن القومي المصري والأردني. ويشير صالح إلى المخاوف من تهجير أكثر من مليون وستمائة ألف فلسطيني من قطاع غزة، ونحو مليوني فلسطيني من الضفة الغربية، إذا تمكن الاحتلال من تحقيق أهدافه بهذا الشأن.

ويرى أن هذه المخاوف أثرت في علاقات التطبيع بين عدد من الدول العربية والكيان الإسرائيلي، إذ باتت تلك الدول، أكثر إدراكًا للمخاطر الأمنية التي قد تترتب على السياسات الإسرائيلية، حتى في ظل وجود علاقات سياسية واقتصادية معها.

وانعكس ذلك، وفق صالح، على مسارات التطبيع في المنطقة، إذ دفعت بعض الأنظمة العربية إلى محاولة تعزيز التنسيق فيما بينها والاعتماد على قدراتها بدرجات متفاوتة، وإن ظل عدد منها مرتبطًا بالمظلة الأمريكية، لكنها أصبحت أكثر حذراً وخوفاً من التعامل مع الكيان الإسرائيلي.

ويستشهد بالتنسيق والتفاهم بين السعودية وباكستان وتركيا ومصر يعكسان، معتبرًا أنه يعكس جانبًا من هذه التحولات، في ظل تراجع الشعور بالأمن في التعامل مع الاحتلال، وعدم قدرته على تقديم نفسه بوصفه حليفًا إقليميًا يمكن الاعتماد عليه، ولا سيما بعد فشله في تحقيق أهدافه خلال الحرب مع إيران.

تحولات الرأي العام

وفي ما يتعلق بإمكانية ترجمة التحولات في الرأي العام العالمي إلى تغييرات سياسية فعلية في مواقف الدول الغربية، يتوقع صالح استمرار زيادة عزلة الكيان الإسرائيلي وتصاعد الضغوط الإقليمية والدولية عليه، في ظل تغير نظرة قطاعات متزايدة من المجتمعات الغربية إلى القضية الفلسطينية.

ويلفت إلى أن أجيالًا جديدة، ولا سيما في أوساط الشباب، باتت تنظر إلى الاحتلال بصورة مغايرة لما كان سائدًا في السابق، وترفض التعاون معه وتبدي دعمًا أكبر للقضية الفلسطينية، ويبرز هذا التحول، بحسب تقديره، داخل المجتمعات الغربية والولايات المتحدة، التي شكلت تقليديًا بيئة داعمة للكيان الإسرائيلي.

ويرى صالح أن هذه الاتجاهات قد تخدم القضية الفلسطينية على المديين المتوسط والبعيد، لكنها لا تعني بالضرورة حدوث تغيرات سريعة في السياسات الرسمية للدول الغربية. ويحذر من الاستعجال في انتظار نتائج سياسية مباشرة للتحولات الشعبية، موضحًا أن انتقال التغير في الرأي العام إلى مستوى تغيير السياسات الرسمية يحتاج إلى وقت.

محاولات فرض وقائع جديدة

أما بشأن المسار الإسرائيلي المحتمل تجاه قطاع غزة والقضية الفلسطينية خلال السنوات المقبلة، يشير صالح إلى أن المشهد السياسي داخل الكيان الإسرائيلي، سواء على مستوى الحكومة أو المعارضة، يميل عمومًا إلى اليمين، وأن أي تغييرات قد تفرزها الانتخابات ستظل، وفق تقديره، ضمن نطاق اليمين ويمين الوسط.

ويرجح استمرار محاولات الاحتلال إخضاع قطاع غزة، ونزع سلاح المقاومة، وفرض واقع جديد على الأرض بالقوة، إلى جانب مواصلة الضغوط العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية والمعيشية على السكان، والتحكم في المعابر واستخدامها أدوات ضغط.

ولا يستبعد صالح أن يواصل الاحتلال العمل على خلق بيئة طاردة للفلسطينيين ودفعهم إلى الهجرة، بالتزامن مع تعطيل جهود إعادة الإعمار، بما يبقي الظروف المعيشية في القطاع شديدة الصعوبة ويزيد الضغوط على سكانه.

وفي سياق متصل، يتوقع استمرار محاولات تفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني، ولا سيما عبر دعم الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال، معتبرًا أن هذه الأدوات قد تشكل جزءًا من الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى إضعاف المجتمع الفلسطيني وتقويض قدرته على الصمود.

ومع ذلك، يشدد صالح على أن الاحتلال ليس بمنأى عن الأزمات الداخلية، وأن البيئة العربية تشهد تفاعلات وتغيرات، فيما لا تبدو البيئة الدولية ثابتة أو محكومة بمسار واحد. ومن شأن هذه التحولات، برأيه، أن تؤثر في مسار الصراع، معربًا عن أمله في أن تفضي المتغيرات الإقليمية والدولية إلى تخفيف الحصار عن قطاع غزة، وتعزيز صمود الفلسطينيين، وتوفير الظروف اللازمة لإعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الإنسانية والمعيشية لسكانه.

المصدر / فلسطين أون لاين