في خيمة مهترئة لا تقي تقلبات الطقس ولا تحمي ساكنيها من قسوة الحياة، يعيش عمار نبيل أبو وردة، البالغ من العمر 31 عامًا، مثقلًا بجراحه وآلامه، بعد أن فقد رجله اليمنى وامتد البتر إلى منطقة الحوض، فلا تمنحه آلامه فرصة لنوم هادئ، ولا تترك له ظروفه مجالًا لحياة هانئة؛ فخلف جسده المنهك أسرة من خمسة أفراد تنتظر منه قوت يومها، ودواءً يخفف وجعًا لا يعرف طريقه إلى النهاية.
يتعالى عمار على أوجاعه، ويذهب للعمل مع أبناء عمه في تعديل أسياخ الحديد مقابل أجر بسيط، محاولًا توفير الطعام لأسرته وثمن الدواء الذي يحتاج إليه. يقول لصحيفة "فلسطين": "أنا مضطر أشتغل رغم وجعي؛ عندي أسرة من خمسة أفراد، ولازم أوفر لهم الأكل، وبنفس الوقت أجيب حبة الدواء اللي تسكّن ألمي".
فلم يكن عمار يتخيل أن خروجه من المنزل لتعبئة جالون ماء لوالدته سيقلب حياته رأسًا على عقب، ففي بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، نزح قسرا من منطقة التوام إلى جباليا النزلة، قبل أن يتعرض لإصابة غيّرت حياته إلى الأبد.
في الخامس من ديسمبر/كانون الأول 2023، خرج عمار إلى بيت الجيران لتعبئة جالون ماء تحتاج إليه والدته للوضوء، بعد أيام من وقف قصير لإطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني، لكن لحظة خروجه من باب المنزل، أصابه صاروخ أدى إلى بتر رجله اليمنى من تحت الركبة.
يستعيد عمار تلك اللحظة بقوله: "مجرد ما طلعت من باب البيت، صار القصف. الصاروخ بتر رجلي، وفي لحظة واحدة تغيّرت حياتي كلها، وصرت بحاجة إلى من يساعدني في أبسط الأمور".
نُقل إلى مستشفى العودة، حيث رُكّبت له صفائح معدنية، ثم حُوّل إلى مستشفى كمال عدوان لاستكمال العلاج، لكنه واجه نقصًا في الإمكانات الطبية، ولم يتوفر طاقم متخصص بالأوعية الدموية والشرايين، بحسب روايته، فظل ينزف لساعات قبل أن يُعاد بصعوبة إلى مستشفى العودة، بعدما تدهورت حالته الصحية، وسط تمركز دبابات الاحتلال عند بوابة مستشفى كمال عدوان.
ويتابع حديثه: "تركت أنزف ساعات، وكان وضعي خطيرًا جدًا، وبصعوبة وافقوا على إعادتي إلى مستشفى العودة، لأنني كنت بحاجة إلى تدخل طبي عاجل".
ومع تدهور حالته، خضع عمار لعمليات بتر متكررة، خمس مرات بحسب روايته، إلى أن وصل البتر إلى منطقة الحوض.
ولم تتوقف معاناته عند حدود الإصابة؛ فقد حوصر داخل المستشفى مدة 23 يومًا، عاجزًا عن الدخول أو الخروج، في ظل ظروف قاسية ومخاوف متواصلة على حياته.
وبعد خروجه، واجه معركة جديدة عنوانها نقص الأدوية وارتفاع أسعارها، بات حينها يتنقل بين المستشفيات بحثًا عن حبة دواء تخفف ألمه وتساعده على النوم، فيما يصل سعر الحبة التي يحتاج إليها إلى 40 شيكلًا في السوق السوداء في ظل عدم توفرها في المستشفيات الرسمية.
يقول عمار: "خرجت من المستشفى، لكن لم تنته المعاناة، فكنت أبحث بين المستشفيات، لعلّي أجد حبة دواء تسكّن وجعي، لأن الألم يمنعني من النوم ليلًا".
ولأن الجوع لا ينتظر شفاء الجسد، يضطر عمار إلى العمل مع أبناء عمه في تعديل أسياخ الحديد، بما تسمح به حالته، مقابل أجر بسيط، وأحيانًا يقتصر دوره على إعداد كأس من الشاي لهم، لكنه يتمسك بأي فرصة تساعده في توفير احتياجات أسرته وثمن علاجه.
وفي خيمته المهترئة، تتخذ المعاناة وجهًا آخر؛ فالفئران تتسلل إلى المكان الذي يفترض أن يكون ملاذًا آمنًا لأسرته، بينما يقترب الشتاء محملًا بمخاوف البرد والصقيع والأمطار، ويضيف بقلق: "الخيمة ممزقة، والفئران استباحتنا، والشتا قرب، الله يستر من الشتاء اللي جاي؛ البرد رح يزيد علينا المعاناة، وإحنا أصلًا مش قادرين نوفر أبسط احتياجاتنا".
ولم يستطع عمار تركيب طرف صناعي، نظرًا إلى امتداد البتر إلى منطقة الحوض، وما يتطلبه ذلك من إمكانات طبية وتأهيلية غير متاحة في القطاع. لذلك، يظل حلم السفر لتلقي العلاج وتركيب طرف صناعي أملًا مؤجلًا، ينتظر تحسن ظروفه الصحية والمعيشية، فلا يزال يتمسك بالأمل، ويحاول أن يمنح أسرته سببًا للاستمرار، منتظرًا يومًا يجد فيه الدواء، ويحصل على فرصة للعلاج، ويعيش حياة لا يكون الألم عنوانها الدائم.