جاء إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 18 أكتوبر/ 2026، دعمه الكامل لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، قبل أيام من الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر، ليمنح المعركة الانتخابية أبعاداً تتجاوز التنافس الداخلي، وتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة الأميركية الإسرائيلية، والحرب مع إيران، ومصير قطاع غزة.
لم يكن الإعلان مجرد مجاملة سياسية بين حليفين، بل مثل انحيازاً أميركياً معلناً لنتنياهو في لحظة يواجه فيها تحديات داخلية متراكمة، تتعلق بالإخفاقات الأمنية، وتداعيات الحروب، والانقسامات السياسية، ومستقبل ائتلافه الحاكم.
من التحفظ إلى الدعم الصريح
بعد فترة من التحفظ بشأن التدخل المباشر في الانتخابات الصهيونية، أعلن ترامب عبر منصة تروث سوشيال تأييده لنتنياهو، واصفاً إياه بالشريك القوي في مواجهة إيران، ومؤكداً أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قيادة قادرة على إدارة الملفات الأمنية والاستراتيجية.
ويمنح هذا الموقف نتنياهو فرصة لتقديم نفسه باعتباره الشريك الأقرب إلى البيت الأبيض، والأقدر على ضمان استمرار الدعم العسكري والسياسي الأميركي. لكنه لا يضمن وحده فوزه، إذ تبقى النتائج مرتبطة بتوجهات الناخبين، وتوازنات الأحزاب، وقدرة المعسكرات المتنافسة على تشكيل الحكومة.
هل الدعم تعويض عن الخلاف بشأن إيران؟
تداولت تقارير إعلامية عبرية فرضية أن يكون دعم ترامب تعويضاً سياسياً لنتنياهو عن رفضه شن هجوم على إيران. غير أن هذا التفسير يستند إلى تقديرات نقلتها مصادر إعلامية، ولا توجد أدلة كافية تسمح باعتباره اتفاقاً مثبتاً بين الطرفين.
فالخلاف المحتمل بشأن توقيت التصعيد العسكري لا يعني بالضرورة انهيار التحالف، لكنه يكشف اختلاف الحسابات.
نتنياهو يوظف المواجهة مع إيران في خطابه الأمني، بينما يوازن ترامب بين الضغوط الاستراتيجية ومخاطر الحرب الواسعة وتكاليفها الاقتصادية والعسكرية.
وعليه، قد يكون الدعم محاولة لتثبيت العلاقة السياسية رغم التباينات، وليس بالضرورة مقابلاً مباشراً لقرار عسكري محدد.
المعارضة الصهيونية أمام اختبار صعب
يضع موقف ترامب معسكر التغيير أمام معضلة انتخابية؛ فمهاجمة الرئيس الأميركي قد تضر بعلاقات المعارضة مع واشنطن، بينما تجاهل دعمه يمنح نتنياهو فرصة لتعزيز صورته باعتباره الشريك الذي لا غنى عنه.
وفي هذا السياق، أثارت اتصالات السفير الأميركي مايك هاكابي مع قادة في المعارضة، بينهم غادي آيزنكوت، نقاشاً بشأن طبيعة التواصل الأميركي مع البدائل السياسية المحتملة. لكن هذه اللقاءات لا تثبت أن واشنطن قررت التخلي عن نتنياهو، إذ يمكن أن تندرج ضمن الاتصالات الدبلوماسية المعتادة.
غزة في خلفية الحسابات
إلى جانب إيران، يبرز قطاع غزة بوصفه أحد أهم الملفات التي ستحدد طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فقد طرحت تقارير إعلامية احتمال ربط الدعم الأميركي بتقدم في تنفيذ الخطة الأميركية بشأن القطاع، لكن الحديث عن صفقة أو تنازلات محددة يظل فرضية غير مؤكدة.
ويواجه نتنياهو معادلة معقدة بين الحفاظ على علاقته بترامب، وتلبية مطالب شركائه في اليمين الرافضين للتنازلات، فيما تسعى واشنطن إلى إدارة الصراع وتقليل احتمالات اتساع المواجهة الإقليمية.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين، لا تكمن القضية في هوية المرشح الذي يفضله البيت الأبيض، بل في نتائج السياسات على الأرض: وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإدخال المساعدات، وإعادة الإعمار، وضمان الحقوق الوطنية الفلسطينية. فمستقبل غزة لا ينبغي أن يتحول إلى ورقة للمساومة الانتخابية بين السياسيين.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
قد ينجح نتنياهو في توظيف الدعم الأميركي لتعزيز موقعه الانتخابي، خصوصاً لدى الناخبين الذين يمنحون العلاقة مع واشنطن أولوية.
وقد تتمكن المعارضة من احتواء أثر الإعلان عبر التركيز على الأداء الحكومي والأمن والاقتصاد.
وهناك احتمال ثالث يتمثل في تحول الدعم إلى عبء إذا أثار مخاوف بشأن استقلال القرار الإسرائيلي أو ظهرت خلافات جديدة حول إيران وغزة.
ومع ذلك، فإن النظام السياسي الصهيوني القائم على الانتخابات البرلمانية والائتلافات يجعل حسم النتائج أمراً مرتبطاً بعوامل متعددة، لا بتأييد أميركي منفرد.
إذن يكشف إعلان ترامب تداخل التحالف الإستراتيجي مع الحسابات الانتخابية، ويمنح نتنياهو دفعة سياسية مهمة، لكنه لا يثبت وجود صفقة سرية بشأن إيران أو غزة، ولا يضمن بقاءه في السلطة.
أما الاختبار الحقيقي، فيكمن في السياسات التي ستترتب على هذا الدعم، ومدى استعداد واشنطن لاستخدام نفوذها لوقف المعاناة، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام معالجة عادلة للقضية الفلسطينية.
فالسؤال الأهم ليس من سيفوز في الانتخابات الصهيونية وحدها، بل ما إذا كانت التحالفات الدولية ستسهم في إنهاء الصراع، أم ستظل الحسابات الانتخابية والشخصية تتقدم على حقوق الفلسطينيين وأمن المنطقة واستقرارها.

