منذ أن شن الاحتلال الإسرائيلي حرب الإبادة على قطاع غزة قبل ثلاث سنوات، تتصاعد ضغوطاته الرامية إلى تقويض دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، عبر استهدافها سياسياً ومالياً، ومحاصرة عملها، والدفع نحو تقليص خدماتها وإنهاء حضورها.
ولا تقف خطورة التحركات عند حدود استهداف مؤسسة أممية، بل تمتد إلى تهديد مصادر عيش ملايين اللاجئين، وضرب شبكة الأمان الاجتماعي التي يعتمدون عليها، في وجود انهيار اقتصادي واسع في قطاع غزة وتراجع فرص العمل ومصادر الدخل.
فالوكالة الأممية التي أنشئت بموجب القرار رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، لم تكن مجرد هيئة تقديم معونات، بل ظلت الشاهد الدولي والأممي الحي على قضية اللاجئين وحقهم التاريخي في العودة.
يرى الخبير الاقتصادي د. نائل موسى أن التداعيات الميدانية لإيقاف الوكالة تتجاوز الشق الوظيفي لتصل إلى حد "الجائحة الاقتصادية والاجتماعية" الكلية.
ويبين موسى لصحيفة "فلسطين" إن إيقاف خدمات أونروا لا يعني قطع المساعدات الإغاثية فحسب، بل يتسبب في انهيار كامل لقطاعات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية التي تعتمد عليها ملايين الأسر؛ حيث تعجز الميزانيات المحلية والمؤسسات البديلة عن تحمل هذه الأعباء الباهظة.
ويضيف: تشكل رواتب موظفي الأونروا -التي تدفع بالعملة الأجنبية- العصب المالي المحرك للأسواق المحلية في قطاع غزة والضفة الغربية. وتوقف هذه التدفقات النقدية سيتسبب في ركود تجاري حاد وانخفاض مستويات القوة الشرائية كلياً.
ويشدد على أن ان فقدان الوكالة لدورها سيدفع بآلاف الموظفين والمستفيدين من البرامج الإغاثية والتشغيلية نحو مؤشرات الفقر ، مما يزيد العبء المالي والمجتمعي على قطاعات صحية واجتماعية متهالكة بالأساس.
كما يمتد الأثر حسب موسى إلى الشركات والتجار والموردين الذين يعتمد جزء كبير من نشاطهم الاستثماري على العقود والمشاريع الإنشائية والإغاثية التي تطرحها الوكالة سنوياً.
وتكشف بيانات أونروا عن اتساع الفجوة بين احتياجاتها المالية والتمويل المتاح لها فبحسب البيانات المنشورة على موقع الوكالة، بلغت احتياجاتها التمويلية الإجمالية لعام 2025 نحو 3.3 مليارات دولار، في حين تلقت مساهمات مالية بلغت نحو 829 مليون دولار، بما فيها 76 مليون دولار من الميزانية العادية للأمم المتحدة.
وبذلك لم تتجاوز الإيرادات المتحققة نحو 25% من إجمالي الاحتياجات المعلنة، ما يعكس حجم الفجوة التمويلية التي تواجهها الوكالة.
وفي أحدث بياناتها لعام 2026، أعلنت أونروا، خلال مؤتمر التعهدات المنعقد في 30 يونيو، أنها تواجه عجزاً في التدفقات النقدية يبلغ نحو 100 مليون دولار في ميزانية برامجها الأساسية.
وأوضحت أن التعهدات المؤكدة حتى 31 مايو بلغت نحو 342 مليون دولار، أي ما يعادل 44% من الاحتياجات المحددة لهذه الميزانية، فيما لم تتجاوز المبالغ التي وصلت فعلياً 267 مليون دولار. وتوقعت الوكالة أن تصل الفجوة التمويلية في ميزانية البرامج الأساسية إلى 275 مليون دولار، حتى مع احتساب المساهمات المتوقع وصولها.
تقليص ممنهج
من جهته أكد الخبير الاقتصادي د. سمير الدقران أن المؤامرة الحالية تهدف إلى استبدال أونروا بمؤسسات إغاثية أخرى لقطع منافذ المساعدات وإسقاط مقومات الحياة عن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية.
ويوضح الدقران، لصحيفة "فلسطين"، أن خدمات الوكالة شهدت تقلصاً كبيراً وممنهجاً على مدار السنوات الماضية وصولاً إلى مرحلة الشح الشديد التي لا تليق بالشعب الفلسطيني، معتبراً أن التراجع يخدم الأهداف الإسرائيلية الرامية إلى دفع قطاعات واسعة نحو "التهجير".
وفي المقابل، بشدد الدقران على أن الشعب الفلسطيني يظل صامداً وغير قابل للتهجير أمام هذه الضغوط.
وعلى صعيد مصير العاملين، يشير الدقران إلى أن موظفي الوكالة يتقاضون حقوقهم الأساسية دفعة واحدة عند إنهاء عقودهم، بخلاف موظفي القطاع الحكومي الذين يتمتعون بأنظمة تقاعدية مختلفة.
ويوضح أن الوكالة اعتمدت في السنوات الأخيرة على التوظيف بنظام "العقود" بدلاً من التثبيت الرسمي، وهو ما يقلل التزاماتها القانونية، محذراً في الوقت ذاته من أن تسريح هؤلاء الموظفين سيمثل عبئاً إضافياً على المجتمع في ظل انعدام البدائل الوظيفية في سوق العمل.
وتعتمد أونروا بصورة رئيسية على التبرعات الطوعية التي تقدمها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والجهات الحكومية والمنظمات الدولية، إلى جانب مساهمات المؤسسات والأفراد والقطاع الخاص.
وتشير بيانات الوكالة إلى أن أكثر من 75% من دخلها الإجمالي خلال عام 2025 جاء من المساهمات الطوعية، فيما مثلت التبرعات الفردية والخاصة نحو 12% من إجمالي الدخل.
وتتصدر الاتحاد الأوروبي وألمانيا والمملكة المتحدة وإسبانيا والنرويج قائمة الجهات الحكومية المانحة الرئيسية، إلى جانب دول أخرى مثل فرنسا واليابان وأستراليا وكندا وأيرلندا.
وقد أشارت "أونروا" إلى أن إنهاء جهتين مانحتين كبيرتين مساهماتهما أسهم في تفاقم عجزها المالي خلال عام 2025، رغم الجهود المبذولة لاستقطاب مانحين جدد وزيادة مساهمات بعض الجهات.
وكان عضو اتحاد الموظفين بقطاع الخدمات في "أونروا"، صبري المعلواني صرح، بأن "أونروا" أقدمت حتى اللحظة على إنهاء خدمات ما يقارب 690 موظفاً على خلفيات متعددة في قطاع غزة.
وأوضح المعلواني لـ"فلسطين"، أن قرارات الفصل الأخيرة الصادرة بحق الموظفين جرت دون الاستناد إلى أي أدلة إثبات أو براهين حقيقية.