فلسطين أون لاين

بين قيود الاحتلال وممارسات بعض التجار.. المواطن الغزي يدفع الثمن

...
بين قيود الاحتلال وممارسات بعض التجار.. المواطن الغزي يدفع الثمن
غزة/ عبد الله التركماني:

لا يبدو الرف الفارغ في متاجر غزة مجرد مساحة خالية من البضائع، بل مرآة لأزمة تتشابك فيها قيود الاحتلال على المعابر، واختلال دورة المال، وممارسات تجارية تثير تساؤلات بشأن حدود الربح المشروع ومسؤولية التجار تجاه مجتمع أنهكته حرب الإبادة.

هنا، لا يصل نقص السلع إلى موائد المواطنين وحده؛ بل يتسلل إلى تفاصيل حياتهم، ويحوّل شراء الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية إلى معركة يومية مع الأسعار والسيولة والقدرة على الدفع، الأمر الذي يسبب حالة تجارية تحولت من وسيلة لتلبية الاحتياجات وتحقيق الربح المشروع إلى عبء إضافي على مجتمع يبحث عن سبل البقاء.

ومع تعطل دخول الشاحنات التجارية عبر حاجز كرم أبو سالم الذي يعد المنفذ الوحيد لدخول البضائع إلى غزة، منذ منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2026، تصاعد القلق من تداعيات الأزمة على الأسواق.

وبينما تدعي دولة الاحتلال أن وقف إدخال الشاحنات التجارية إلى غزة جاء بطلب من تجار في غزة، بقي المواطن الحلقة الأضعف، يدفع ثمن جشع بعض التجار دون أن يملك القدرة على التأثير في قراراتها.

"حيتان تتحكم بلقمة عيش الناس"

يقول خميس عبد السلام، البالغ من العمر 35 عاماً، وهو رب أسرة مكونة من خمسة أفراد، إن الأزمة التي تشهدها الأسواق في قطاع غزة تتجاوز ارتفاع الأسعار أو نقص بعض الأصناف، لتكشف حجم المعاناة التي يواجهها المواطن مع غياب الخيارات وتراجع قدرته على تلبية احتياجات أسرته.

ويضيف عبد السلام لصحيفة "فلسطين": "أشعر بأننا أصبحنا نعيش تحت رحمة السوق، وأن بعض التجار الكبار، الذين يسميهم الناس حيتان السوق، باتوا يمتلكون قدرة كبيرة على التحكم بلقمة عيش المواطنين، من خلال التحكم بالكميات التي تصل إلى الأسواق، ورفع الأسعار بصورة مضاعفة، وتحقيق أرباح لا تتناسب مع معاناة الناس ولا مع الظروف التي نعيشها".

وطالب الجهات المختصة في غزة بضبط حالة السوق، ووقف بعض التجار المحتكرين عند حدهم، وقال: "نحن لا نطالب أحداً بالعمل من دون ربح، ولا ننكر أن للتجار تكاليف ومخاطر يتحملونها، لكننا نرفض أن تتحول التجارة إلى وسيلة لاحتكار السلع أو تضخيم أسعارها أو الضغط على المواطنين".

وأكد عبد السلام أن التعامل مع أي محاولات غير مشروعة من بعض التجار للتعاون مع الاحتلال يجب أن يكون جدياً، وفق القانون.

"لا نريد أن ندفع ثمن جشع التجار"

أما مها فايد، البالغة من العمر 38 عاماً، فتعيل أسرتها المكونة من ستة أفراد بعد استشهاد زوجها خلال الحرب. وتقول لصحيفة "فلسطين" إن غياب الاستقرار في الأسواق يحوّل احتياجات الأسرة اليومية إلى عبء متواصل، لا سيما بالنسبة إلى النساء اللواتي أصبحن يتحملن مسؤولية إعالة الأطفال في ظروف اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة.

وتوضح فايد: "منذ استشهاد زوجي، أصبحت مسؤولة عن أسرتي بكل ما تعنيه هذه المسؤولية من أعباء وخوف وتفكير دائم في اليوم التالي. أذهب إلى السوق وأنا أحسب المبلغ الذي أملكه، وأحاول أن أوزعه بين الطعام والدواء واحتياجات الأطفال، لكنني أجد نفسي في كل مرة أمام أسعار مرتفعة أو سلع لا أستطيع العثور عليها بسهولة.

أصبح شراء الاحتياجات الأساسية قراراً صعباً، لأن ما أستطيع شراءه اليوم قد لا أستطيع شراءه غداً، ولأنني لا أعرف إن كانت الأسعار ستبقى كما هي أم سترتفع مجدداً".

وتضيف: "ما يزيد معاناتنا أن المواطن لا يعرف دائماً لماذا ترتفع الأسعار، ولا من يحدد الكميات التي تدخل السوق، ولا كيف تُحسب تكاليف البضائع. عندما تختفي سلعة ثم تعود بسعر أعلى، فمن حق الناس أن يسألوا عن السبب.

وإذا ثبت أن بعض التجار يحتكرون البضائع أو يمتنعون عن توريدها عمداً لرفع أسعارها وتحقيق أرباح إضافية، فلا بد من اتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحقهم.

لا يجوز أن تتحول حاجة الناس إلى الغذاء والدواء إلى فرصة لاستغلالهم، ولا يجوز أن تكون معاناة الأرامل والأطفال والنازحين مدخلاً لتحقيق مكاسب على حسابهم".

وتشدد فايد على ضرورة إلزام التجار باستئناف توريد السلع وضمان استقرار الأسواق، قائلة: "نطالب الجهات المختصة بالعمل على ضمان استمرار دخول البضائع، وإلزام التجار الذين يستطيعون التوريد باستئناف نشاطهم وفق القوانين والترتيبات المعمول بها بالتنسيق مع الجهات المسؤولة عن المعابر. كما نريد رقابة حقيقية على المخازن والأسعار والكميات المتاحة".

وفي ما يتعلق بالتعاملات المالية، طالبت فايد بوضع قواعد واضحة وعادلة للتعامل النقدي، وإلزام التجار بقبول الكاش ضمن آلية قابلة للتطبيق، تضمن حق المستهلك في استخدام النقود المتاحة لديه، من دون فرض عمولات أو أسعار مجحفة بسبب طريقة الدفع.

وقالت: "إذا كان الدفع الإلكتروني هو الخيار المتاح في بعض التعاملات، فيجب أن تكون هناك بدائل عملية لمن لا يستطيع استخدامه، وألا يتحول ذلك إلى وسيلة لحرمان الناس من شراء احتياجاتهم".

تعطيل التوريد وأزمة السيولة

من جانبه، يوضح الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن تداعيات تعطل التوريد التجاري إلى قطاع غزة لا يمكن فصلها عن الأزمة النقدية التي يعانيها السكان منذ اندلاع الحرب، وعن القيود المفروضة على المعابر والتشوهات التي أصابت آليات التسعير والتوزيع والدفع.

ويرى أن اجتماع هذه العوامل يجعل الأسواق أكثر هشاشة، ويزيد تعرض الأسر ذات الدخل المحدود لارتفاع الأسعار ونقص السلع.

ويقول أبو قمر لصحيفة "فلسطين": "يجب أن نفهم ما يحدث باعتباره تداخلاً بين ثلاثة عوامل رئيسية: محدودية المعروض من السلع، والقيود المفروضة على إدخالها، واضطراب تداول النقد في السوق.

عندما تتعطل الشحنات أو تتراجع الكميات المتاحة، يصبح العرض أقل قدرة على تلبية الطلب، وقد ترتفع الأسعار وتتقلص الخيارات أمام المستهلك.

وإذا تزامن ذلك مع صعوبة الدفع النقدي أو ارتفاع كلفة تحويل الأموال الإلكترونية إلى نقد، فإن المواطن يتعرض لضغط مزدوج: يدفع أكثر للحصول على السلعة، وقد يخسر جزءاً من أمواله قبل أن يصل إلى المتجر أصلاً".

وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، الصادرة في 25 سبتمبر/أيلول 2026، إلى أن القطاع الخاص أدخل فقط 853 شاحنة تجارية إلى غزة خلال الفترة من 14 إلى 20 سبتمبر، حملت 52% منها مواد غذائية، و12% مواد للإيواء، و5% مواد للنظافة.

كما أظهرت بيانات مراقبة السوق التي أوردها التقرير أن التضخم ظل عند نحو 207% فوق المستويات السابقة لأكتوبر/ تشرين الأول 2023. وفي الفترة نفسها، ارتفع سعر الطماطم بنسبة 31% مقارنة بالأسبوع السابق، بينما تراجع متوسط سعر كيس الدقيق، زنة 25 كيلوغراماً، إلى نحو 52 شيكلاً بعد ارتفاع سابق.

وتؤكد هذه الأرقام أن الأسعار تتأثر بتغيرات الإمدادات وظروف السوق، ولا بد من فحصها على نحو دوري لفهم أثر تعطل الشحنات في كل سلعة على حدة.

ويضيف أبو قمر: "الأخطر هو أن تتحول السيطرة على التوريد إلى قدرة على فرض شروط الدفع والأسعار على بقية حلقات السوق. فقد أظهرت تقارير اقتصادية خلال الحرب أن عمولات تسييل الأموال الإلكترونية بلغت في بعض الفترات ما بين 20% و50%، وهو ما يعني أن صاحب المئة شيكل في الرصيد الإلكتروني قد لا يحصل إلا على ما يعادل 50 إلى 80 شيكلاً نقداً في بعض الحالات.

وهذه الخسارة، التي تحدث قبل شراء السلع، تقلص القوة الشرائية للأسرة وتعمق الفجوة بين دخلها وتكلفة احتياجاتها الأساسية. لكن يجب التمييز بين أزمة السيولة العامة وبين أي ممارسة فردية للاستغلال، وتحديد المسؤولية بناءً على البيانات والأدلة".

ويشير إلى أن التقارير حول توقف الشحنات التجارية أظهرت خلافاً بشأن الأسباب؛ إذ ادعى الاحتلال أن التوقف يعود إلى قرار تجار تعليق التنسيق نتيجة خلاف حول رسوم على الشاحنات ومطالب تتعلق بنسبة المبيعات النقدية، بينما اعترض تجار وجهات فلسطينية على هذه الرواية وألقوا بالمسؤولية على القيود الإسرائيلية.

ويتابع أبو قمر: "الحل يبدأ بنشر البيانات المتعلقة بعدد الشاحنات التي سُمح بدخولها، والكميات التي وصلت إلى الأسواق، وكلفة الاستيراد والنقل والرسوم، وأسعار الجملة والتجزئة. كما يجب التحقيق في أي شبهة احتكار أو اتفاق غير مشروع بين التجار، أو أي شبهة تنسيق مع جهات الاحتلال إذا ظهرت أدلة تدعمها".

ويؤكد أن معالجة أزمة الدفع تتطلب بدورها قواعد واضحة، قائلاً: "يجب وضع آلية عملية تضمن قدرة المواطن على استخدام النقد المتاح لديه، بالتوازي مع توفير وسائل دفع إلكترونية تعمل بصورة موثوقة، ومنع فرض عمولات أو فروق أسعار تعسفية.

كما ينبغي ألا تتحول أي تفاهمات لحماية السوق إلى ترتيبات غير معلنة أو إلى أداة لزيادة الأعباء على المستهلك. المطلوب هو قواعد معلنة، ورقابة على الكميات والأسعار، ومحاسبة عادلة لكل من يثبت تورطه في المخالفات، مع ضمان حقه في الدفاع عن نفسه".

وكان المكتب الإعلامي الحكومي نفى في بيان فرض أي ضرائب أو رسوم حكومية على الشاحنات التجارية طوال السنوات الثلاث الماضية، مراعاةً للظروف الإنسانية والاقتصادية الاستثنائية مع استمرار حرب الإبادة الجماعية ضد قطاع غزة.

المصدر / فلسطين أون لاين