☰
✕

قائمة الموقع

رسالة قرآنية من محرقة غزة

2026-10-19T20:11:00+03:00
د. مروان أبو راس

 ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾

غزة العنوان، وسيدة المقاومة والمرحلة، وأرض الشهداء السادة، وكوكبة النور التي لا تنطفئ. غزة صاحبة السبق والبطولة في معركة الوعي، والثبات الملحمي الأسطوري. سلامٌ لك، سيدي الشهيد، وسيدي الجريح والأسير؛ وسلامٌ لكِ، سيدتي غزة، ولعوائلكِ الكريمة، أبطال الملحمة الخالدة.

لكِ وحدكِ يركع المجد، سيدتي غزة، وأمام عظمتكِ تطأطئ الرؤوس خجلًا وحياءً. منذ اليوم الأول، ومنذ الميلاد الأعظم لمسيرة الدم والشهادة، عاهدتِ الله على المضي في طريق ذات الشوكة؛ حملتِ اللواء ورفعتِ الراية، وسلكتِ دروب المقاومة بكل ما أتيح من وسائل: بالحجر والخنجر والسكين والمولوتوف، والمسدس والرشاش، والتفجير والنفق والصاروخ، وخطف الجنود، والفرقان ووفاء الأحرار، وحجارة السجيل والعصف المأكول، وسيف القدس وطوفان الأقصى. لم تتركي للاحتلال وسيلةً إلا واجهتِها، ولم تدعي للقاعدين عذرًا؛ فالأبواب مشرعة، وميادين البذل مفتوحة، ولكن أين الرجال وأصحاب النية والعزيمة؟

لم تنقطع بكِ السبيل بعد استشهاد جيل القيادة المؤسِّس، ولم تنكسر الراية برحيل حامليها؛ بقيتِ على الدرب، عملاقًا يأبى الانحناء، وجبلًا راسخًا يأبى الاقتلاع.

أما الاحتلال العنصري، وعصابات الإبادة، وجيشه، ومغتصبو فلسطين، فقد انتفضت قلوبهم وشخصت أبصارهم أمام هول الطوفان. لم تُقعدكِ الدنيا، ولم تُثنكِ كثرة المتآمرين، فقلتِ بلغة الواثق:

«سأبقى هنا، على الزناد إصبعي، وكالجحيم مدفعي، ولن أغادر مربع المقاومة والثوابت، ولا مسار التحرير والعودة».

لا عودة إلى القهقرى، ولا تبديل للعهد؛ فالدرب درب النصر أو الشهادة. وقلتِ بعناد المؤمنين بوعد الله:

«إلى وعد ربي أمضي، وقد اخترت الطريق».

حاولوا حصاركِ، يا غزة، لأنكِ أكبر من الإغواء والإغراء؛ فعضضتِ على الجرح، ومرّغتِ أنف السجّان، وواجهتِ العدوان. ثم فجّرتِ طوفان الأقصى، فتراجعت حساباتهم، وارتدّ مكرهم عليهم، وأدركوا أن إرادة الشعوب لا تُحاصر بالأسوار، وأن الرجال الذين يخلّفونهم شهداء يظلون أحياءً في الذاكرة والوعي، كالجبال الشامخات.

عشقتِ الحياة بكرامة، ولم ترهبي الموت؛ وحين أحاطت بكِ النيران، جعلتِ من صمودكِ نارًا في وجه العدوان، ومن جراحكِ شهادةً على وحشية الإبادة، ومن ثباتكِ حكايةً عصيّةً على المحو.

سلامٌ عليكِ يا غزة؛ يا جرح الأمة وضميرها، ويا ملحمةً كتبتها الدماء، وحفظها الصمود، ولن تطويها السنون.

اخبار ذات صلة