☰
✕

قائمة الموقع

"الأغذية العالمي" يقلص مساعداته في غزة ويحذر من عودة الجوع

2026-10-19T10:42:00+03:00
صورة تعبيرية
فلسطين أون لاين

لا تزال غزة تفتح بيوت عزاءٍ لم تتمكن من فتحها خلال الإبادة التي تركت آلاف المفقودين تحت ركام المباني المدمرة، وبقيت جراح عائلاتهم مفتوحة لثلاث سنوات وهي تنتظر إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على ذويها، ومواراتهم في الثرى، في جنازات جماعية تقام لتكون شواهد على قسوة الإبادة وبشاعتها، يدفن فيها الشهداء في قبور جماعية أيضًا. وفي ساحة ملعب نادي الدرج الرياضي أمس أغلقت عدة عائلات جرح الانتظار المفتوح بتشييع رفات 75 شهيدًا.

على مدخل الساحة المؤدية لمكان وجود رفات الشهداء، كان الطفل أنس محمد حجاج ومجموعة من أفراد العائلة يحملون صور شهداء عائلته، وامتلأت الساحة بالحضور من الحي وذوي الشهداء وطواقم الدفاع المدني التي أحاطت بمكان وجود الرفات.

بين صور الجثامين التي وضعت على طاولات وفوقها ألصقت صور الشهداء الذين كفنوا بعلم فلسطين، كتبت ملصقات على بعض الرفات بأنه "لم يعثر على جثمان هذا الشهيد لأن جثته تبخرت بالكامل بفعل الحرارة الشديدة الناتجة عن صاروخ أطلقه جيش الاحتلال، وهذه العبارة ألصقت على جثامين الشهداء: لما أحمد المصري، وأشرف أحمد الخضري، وشيماء فؤاد الخضري، والأشقاء أحمد ومحمد وحامد أشرف الخضري".

وكُتب كذلك على رفات الشهيد محمد أيمن علوان (23 سنة) عبارة: "لم يكن الشهيد اسما أُدرج في قوائم المفقودين بل كانت له أحلام. ثلاثة أعوام والأرض تخبئ أنفاسه، واليوم يعود ليرى النور للمرة الأخيرة كأنه يلقي علينا سلام الوداع".


 

وينتمي الشهداء إلى عائلات حجازي وعطا الله، والجعل والمصري، وأبو ريان، وأبو نعمة، وحجاج، والقهوجي، وعمارة، ومقبل والخضري وعلوان وساق الله، وعبد العال وجحا وأبو صبرة وسعد، والزيتونية وقاسم، والجرجاوي والعبادلة وشبلاق.

ناجٍ وحيد

كان مهدي هاني حجاج يقف بين جموع المشيعين بملعب نادي الدرج الرياضي بمدينة غزة، وبجواره طفله هاني (10 سنوات) جاؤوا لتشييع زوجته واثنين من أطفاله في مجزرة وقعت في 3 ديسمبر/ كانون الأول 2023، تجثم تفاصيلها على ذاكرة حجاج المثقلة بوجع الفقد فيحكي لصحيفة "فلسطين": "خرجت من شارعنا بحي الشجاعية شرق مدينة غزة فحدث حزام ناري مفاجئ، كانت زوجتي في الطابق الأرضي من البيت "البودروم"، هي وأختها وزوج أختها وأطفالنا بينهم طفل عمره سبعة أشهر. عندما وقعت المجزرة أصبت وغطاني الردم فلم أكن بعيدا عن أطفالي وزوجتي، وكنت أبحث عنهم، فنجا طفلي هاني والطفل الرضيع، واستشهدت زوجتي وطفل آخر".

بجواره يقف ناصر مهدي حجاج بصفته ناجيا وحيدا من مجزرة دامية، استشهد خلالها زوجته وجميع أبنائه الخمسة (أربعة أولاد وبنت) بقصف منزلهم في 12 ديسمبر/ كانون الثاني 2023.

قبل الحرب كان حجاج يعمل في الداخل المحتل، ومع بدء الإبادة واتخاذ الاحتلال إجراءات اعتقال ضد جميع العمال من قطاع غزة الذين يعملون بالداخل، جرى اعتقاله وتعرض لتعذيب شديد، وخلال التحقيق هدده ضابط الاحتلال بقتل زوجته وجميع أولاده والنازحين الذين في منزله.

يروي حجاج من قلب مثقل بحزن يفتح جرحه من جديد: "عندما أفرج عني لجنوب القطاع، كانت زوجتي في شمال غزة فطلبت منها النزوح مع أولادي خوفا من تنفيذ ضابط الاحتلال تهديداته فأصرت على البقاء في مدينة غزة، وحدثت المجزرة الدامية ولم أستطع إلقاء نظرة الوداع عليهم منذ ثلاث سنوات".

في ملعب نادي الدرج يحمل حجاج صورة جماعية تضم زوجته وأولاده، في حين يحمل أطفال العائلة الذين وقفوا على مدخل النادي صورة كل شهيد على حدة، ويقول: "عندما قصف البيت شعرت بالعجز لعدم تمكني من القدوم لغزة، وعندما عدت استمررت بزيارة مكان المجزرة فكنت أحاول رفع الركام وإخراجهم، وكثيرا كنت أدعو لهم وأستمر في التواصل مع الدفاع المدني لانتشالهم حتى تحقق ذلك بعد ثلاث سنوات".

لم تنتظر الجثامين ثلاث سنوات إذ تحللت وبقي الرفات، فكان صعبا أن يتعرف على زوجته وأولاده، ويقول عن لحظة الانتشال بملامح يكسوها الحزن: "عرفت زوجتي من لباسها، وتعرفت على ابن واحد، أما البقية فلم أستطع التعرف عليهم، وهم حسن (20 سنة) وهديل (18 سنة) وعبد الله (16 سنة) وصهيب (15 سنة) ومالك (9 سنوات) ثلاثة منهم يحفظون القرآن الكريم".

وعلى الرغم من وقوع المجزرة في الليل، وصل إليه الخبر عصر اليوم التالي، فكانت صدمة لا يزال يعيش وقعها حتى اللحظة، ولا يتخيل أن تصبح حياته فارغة من حضورهم ولم يتبقَّله سوى الصور والذكريات.

وفي ذكرى زواجه الذي يوافق 18 أكتوبر، يشيع حجاج رفات زوجته التي تُكنى "أم هيثم". عاشا معًا 25 سنة، ويصفها بأنها زوجة طيبة وتعبت في تربية الأولاد حتى أصبحوا في الجامعات وحفظة للقرآن الكريم.

وفي كلمة لها قالت الناجية الوحيدة جنان القهوجي: " سأدعو الله أن يتغمد عائلتي برحمته، أنا وحدي في هذه الدنيا. لكنْ هناك قلوب تحبني وأيادٍ تمتد لتساندني. رحم الله أهلي وجمعني بهم في جنات النعيم". في حين علق المتحدث باسم الدفاع المدني الرائد محمود بصل على كلمة الطفلة قائلا: "هذه الفاجعة التي ستكبر عليها الطفلة التي ستسأل أين أبي وأمي وإخوتي؟ لماذا قتلتهم (إسرائيل)؟ هذا السؤال عتبنا على ملياري مسلم. ثلاثة أعوام ونحن نصرخ ونقول إننا نذبح من الوريد إلى الوريد".

أم لم تجد رفات طفلها

بينما كانت الأمهات والآباء في الجنازة يودعون رفات أبنائهم جاءت دعاء اسبيتان والدة الشهيد الطفل أحمد (13 سنة) للمشاركة والصلاة على الشهداء بعد تبخر جثمان طفلها وحتى الرفات لم تجده.

بعينين تغمرهما الدموع تقول اسبيتان لصحيفة "فلسطين" بعدما انتهى طابور طويل من المشيعين من الخروج من ساحة الملعب نحو المقبرة في مشهدٍ حضره دموع الفراق: "استشهد طفلي أحمد في مجزرة آل علوان والخضري في شارع يافا بحي التفاح شرق مدينة غزة يوم 3 ديسمبر/ كانون أول 2023 عندما خرج من المنزل لتعبئة المياه، فحدث قصف فتبخرت جثته ولم نستطع التعرف إليها".

تحاول التماسك وحبس دموعها أمام قسوة الموقف، إلا أن جمرات الحزن تأبى إلا أن تجري على وجنتيها قائلة بحسرة: "الأمهات والآباء جاؤوا لوداع رفات أطفالهم وأبنائهم، أما أنا فحتى الرفات لم أجده، وهذا ما يكوي قلبي بأنني لا أستطيع إيجاد قبر أو شيء من ريحته يمكنني حمله، فلم أره ولم أودعه ولم أضعه في الثرى. حسبنا الله ونعم الوكيل".

اخبار ذات صلة