لم يكن محمد عياد ترابين جرمي يظن يومًا أن صباحه سيبدأ هكذا. ابن الثلاثين عامًا، ابن خدمات رفح، المهاجم الذي كان يعرف كيف يخترق دفاع الخصم ويجد زاوية للتسديد، أصبح اليوم يخترق طوابير النازحين بحثًا عن زاوية لملء جالون ماء.
«أستيقظ لصلاة الفجر، وأعود للنوم حتى الثامنة صباحًا، وبعد ذلك أنتظر شاحنة الماء الحلوة لتعبئة الماء». بهذه الجملة البسيطة يلخص محمد يومه. لم يعد يومه يبدأ بتمارين الإحماء، بل بانتظار الماء، وبعدها «أُحضّر نفسي لممارسة التمارين في الجيم، وأعود إلى مكان المعيشة "الخيمة" وأجلس مع الأصدقاء».
هنا في مواصي خانيونس، حيث نزح محمد، لا توجد ملاعب، هناك فقط، كما يقول: «ملاعب ترابية لعدم وجود الملاعب المناسبة».
بدأت الحكاية مبكرًا، «بدأ حبي لكرة القدم وأنا في المرحلة الابتدائية، وكان قدوتي اللاعب معتز النحال». أول حضن كروي له كان نادي خدمات رفح، ثم انتقل إلى نادي الاستقلال، وهناك كتب أول سطر من مجده الصغير. كانت أول مباراة رسمية له في كأس غزة ضد ناديه الأم نفسه، خدمات رفح، وهناك فعل ما يفعله المهاجمون الكبار: سجّل في مرمى من ربّاه.
*في غزة، المهاجم لا يبحث عن ثغرة في دفاع الخصم، بل يبحث عن ثغرة في الحصار*.
كان يظن أن الطريق مفتوح، وأنه من أبرز نجوم القطاع، وأن الاحتراف قريب، ثم جاءت الحرب.
سألته: ما أكبر التحديات التي تواجهك؟ فأجاب إجابة لا تحتاج إلى شرح: «هناك نقص في كل شيء؛ من ملاعب ومعدات تمرين ومواصلات وتغذية».
هو لا يشتكي من إصابة، ولا من مدرب لا يشركه، هو يشتكي من غياب الحياة نفسها. «أقوم بالاهتمام بنفسي، أغلب الأوقات أسير على الأقدام لقلة المواصلات، وبسبب نقص المعدات الرياضية نقوم بتجهيز أدوات بديلة».
«علّموه كيف يسجل هدفًا، ولم يعلموه كيف ينجو من حرب».
تخيّل لاعبًا يصنع أدواته من الخردة؛ هذا هو المشهد اليوم في غزة.
«الحرب هدمت مستقبلي ومستقبل كثير من الشباب، أنا والحمد لله كنت من أبرز نجوم قطاع غزة، وكنت أفكر في السفر والاحتراف في الخارج، وجاءتني الفرصة، لكن لظروف الحرب رفضت العرض، ولكل واحد نصيب، الحمد لله»، يقولها محمد بنبرة غصة. «الحرب أثرت على المنظومة الرياضية كاملة، لم يعد هناك ملاعب ولا اهتمام بكرة القدم؛ لأنه تدمر كل شيء».
وعندما سألته عن الدعم من الأندية أو الاتحاد، جاء الجواب قاطعًا وصريحًا، وهو جواب يجب أن يُسمع: «للأسف، لا يوجد أي دعم مالي أو معنوي من الاتحاد، والنادي ليس بيده شيء ليفعله».
هو لا يتهم أحدًا، هو يصف واقعًا: نادٍ مدمر لا يستطيع أن يدعم لاعبًا نازحًا في خيمة.
سألته: ماذا تحتاج لتطوير مستواك؟ انتظرت إجابة فنية، فجاءت إجابة إنسانية.
«أنا كلاعب أحتاج إلى كل شيء، أحتاج إلى أحذية وملابس رياضية وملاعب وتغذية مخصصة للاعب كرة القدم، وأحتاج إلى مدرب خاص للياقة في صالة الحديد (الجيم)».
*هو يطلب أبسط حقوق لاعب كرة قدم في أي مكان في العالم: حذاء، وملعب، ومدرب، وغذاء*.
قصة محمد ليست استثناءً، بل هي القاعدة، وما يمر به هو جزء من صورة أكبر وثّقها الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم رسميًا.
رغم كل هذا، حلم محمد لا يزال قائمًا، لكنه تقلص كثيرًا: «أن تتوقف الحرب، وإن شاء الله يكون هناك فرصة للاحتراف».
وعندما سألته: ماذا يقول للأطفال الذين لا يزالون يحبون الكرة رغم الدمار؟ أجاب بحكمة رجل جرّب الفقد: «أقول لهم: اجعلوا كرة القدم مجرد تنفيس عن أنفسكم، لا تعطوها الأولوية الكاملة، ليس لها مكان هنا، اهتموا بأشياء يكون لكم من ورائها مصدر رزق».
هي نصيحة موجعة من مهاجم كان يحلم بالعالمية، يقول لأطفال غزة: ابحثوا عن رغيف الخبز قبل كرة القدم.
طلبت منه أن يصف كرة القدم في غزة بكلمة واحدة، فقال كلمته التي ستبقى عنوانًا لهذا المقال: «السعادة».
كلمة واحدة تختصر كل شيء: صمود، مقاومة، إصرار على البقاء، حتى لو كان الملعب من تراب، وحتى لو كان الحذاء ممزقًا، وحتى لو كان الهدف الوحيد اليوم هو الوصول إلى شاحنة الماء.
«موهبة غزة لا تحتاج لفيفا لتعترف بها، تحتاج فقط لعالم لا يدير ظهره».
قال لي محمد في نهاية حديثنا جملة يجب أن تُكتب بماء الذهب وتُعلّق على جدران الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا):
«لاعب غزة موهبة لا يعرفها العالم، وأحلامهم حاصرتها الحرب، نحن في غزة لاعبون، نحن أصحاب حلم، ولسنا أرقامًا تُمحى من سجلات الرياضة».
«لاعب غزة ليس رقمًا يُمحى من سجلات الرياضة، هو حلم يُحاصر ولا يموت».
محمد ليس رقمًا، هو عشرون عامًا من التدريب، ومن حب الكرة، ومن هدف سجله في مرمى ناديه الأم، ومن خيمة في المواصي تنتظر الماء. هو قصة يجب أن تُروى.
إن *كرة القدم في غزة اليوم ليست لعبة، هي فعل مقاومة يومي، أن تلبس حذاءً ممزقًا وتذهب للركض في ملعب ترابي بينما العالم منشغل بإحصاء الشهداء، فتلك هي البطولة الحقيقية*.
فقضية محمد ليست كرة قدم، قضيته أن يبقى إنسانًا حالِمًا في مكان يُراد له أن ينسى الحلم.
من يبحث عن شاحنة ماء اليوم، سيبحث عن المجد غدًا؛ لأن من تعلّم الصبر في طابور الماء، سيتعلم كيف يصبر حتى تأتيه فرصة الهدف، وستأتي.



