فلسطين أون لاين

قراءة نقدية في بطلان الحجج الأثرية والتاريخية لإثبات التميز اليهودي في فلسطين القديمة

تعتمد المؤسسة الأثرية والتاريخية المرتبطة بالحركة الصهيونية، بدعم من الأكاديمية الاستشراقية الغربية وبعض المنظومات الكنسية، على حزمة من الادعاءات والمزاعم لمحاولة إسباغ طابع تاريخي استثنائي على وجود ما يطلق عليهم في الخطاب الكنسي والصهيوني «اليهود القدامى» في فلسطين. وغالبًا ما تتكئ هذه المزاعم على قراءات إيديولوجية موجهة للأدلة الأثرية والنصوص القديمة. غير أن المنهجية النقدية الصارمة، ولا سيما تلك التي تتبناها المدارس الأثرية التشكيكية (كمدرسة كوبنهاغن)، التي أعتبر نفسي من أنصارها وأعمل وفق منهجيتها، تسقط هذه الحجج تباعًا وتكشف عن هشاشتها العلمية والتاريخية.

فيما يلي تفنيد علمي وتاريخي مقارن لأبرز ثلاث حجج تُساق لتثبيت هذا الزعم:

1. غياب عظام الخنازير في قرى الضفة الغربية: هل هو دليل «يهودية» أم طبيعة نمط الإنتاج الرعوي؟

الادعاء الصهيوني: احتج باحثون إسرائيليون معاصرون، أمثال إسرائيل فينكلشتاين (Israel Finkelstein) ونيل آشر سيلبرمان (Neil Asher Silberman)، بأن سكان قرى الضفة الغربية من البدو الرحل كانوا كنعانيين، لكنهم تميزوا عن باقي الكنعانيين بغياب عظام الخنازير في المواقع الأثرية التي تم التنقيب فيها، معتبرين ذلك دليلًا على هويتهم «اليهودية» المبكرة.

التفنيد العلمي: هذا الاستدلال يتعرض لسخرية واسعة من قبل باحثي الآثار التشكيكيين؛ فالخنزير بطبيعته البيولوجية والسلوكية ليس حيوانًا يصلح للرعي أو الترحال، بل هو حيوان مستقر وداجن يتطلب بيئة زراعية ثابتة وموارد مائية وفيرة، ويختلف جذريًا عن الماعز والأغنام التي تتحمل طبيعة البيئة الرعوية المتنقلة.

إن غياب الخنزير من مواقع البدو ورعاة الأغنام، سواء في فلسطين القديمة أو لدى الأعراب عمومًا، يعكس نمط الحياة الاقتصادي والمعيشي (الرعي المتنقل)، وليس حكمًا على ديانة أو هوية عقدية. فالخنزير ليس جزءًا من قطيع الراعي المتنقل ولا من نظامه الغذائي، وبالتالي فإن هذا الشاهد لا قيمة له في التميز الإثني أو الديني، بل هو سقوط منهجي واضح في قراءة الآثار.

2. خرافة نشر الشريعة والختان وحقيقة «ضريبة العشر»: تفنيد أسطورة الحشمونيين

الادعاء المتداول: يُتداول في العديد من الكتب والأبحاث، حتى الفلسطينية منها، نقلًا عن جهل بالنصوص الأصلية ودون تمحيص لمدونات المؤرخ يوسيفوس (Josephus)، أن الأسرة الحشمونية قامت بنشر «اليهودية» وفرضها في المنطقة، بما في ذلك عادة الختان.

التفنيد التاريخي: تاريخيًا، لم تكن هناك «ديانة يهودية» بمعناها المتأخر في ذلك الزمان، بل ما تم فرضه هو «شريعة موسى» السياسية والكهنوتية. أما الختان، فلم يكن يومًا بندًا مستحدثًا تم نشره؛ فقد كان الرجال والأطفال الكنعانيون والعرب والإثيوبيون الشرقيون (اليمنيون) يمارسون الختان بوصفه عنصرًا ثقافيًا مشتركًا في عموم الشرق الأدنى القديم، كما أثبت المؤرخ الإغريقي هيرودوت في كتاباته. وعليه، عبثًا تحاول الرواية الاستعمارية الزعم بأن الحشمونيين نشروا الختان وسط أهل الختان أنفسهم.

الحقيقة التاريخية التي تؤكدها الأبحاث النقدية أن الحشمونيين لم يكونوا جماعة متدينة بالمعنى العقدي، بل كانوا حكامًا براغماتيين تنقلوا بين ولاءات متعددة (الفريسية، والصدوقية، وحتى الديانة اليونانية الوثنية)، وكان هدفهم الحقيقي فرض «ضريبة العشر» الاقتصادية لصالح معبد القدس وكهنته لضمان مواردهم المالية، بعيدًا عن أي تبشير ديني موهوم.

3. أسطورة العودة ونهم الكتابة المتأخرة: نحميا وعزرا وزربابل كشخصيات فلكلورية

الادعاء الاستعماري: الادعاء بأن شخصيات مثل نحميا وعزرا وزربابل كانوا مبعوثين لملوك الفرس لبناء معبد في أورشليم.

التفنيد التاريخي والأثري: لا يوجد أي دليل أثري واحد يدعم هذه المزاعم على الإطلاق، لا في فلسطين (كنعان)، ولا في العراق (بلاد الرافدين)، ولا في إيران (بلاد فارس). إن الروايات المرتبطة بملكة تدعى أستير (عشتار) وتزوجها أحشويروش، ووجود وزير أول فلسطيني عماليقي يدعى هامان، ما هي إلا دراما أسطورية صُممت وصيغت في مراحل متأخرة من العصر الروماني في فلسطين، ولا أساس لها في السجلات الفارسية.

إن شخصية «عزرا الكاتب» شخصية أسطورية بامتياز، ونسب كتابة توراة جديدة له خرافة تاريخية. أما النصوص التوراتية، فقد أفرزتها أقلام الكتبة التابعين لكهنة القدس في عصور لاحقة لأغراض تنظيم السلطة والكهنوت، كما أُثبت ذلك بوضوح في دراسات وأبحاث نقدية بارزة، ككتبي «فلسطين السورية الفينيقية» (2016) وكتاب «في البدء كان إيل» (2015).

إن مجمل الحجج والادعاءات الصهيونية الرامية إلى إثبات خصوصية أو تميز إثني وديني لما يُدعى «اليهود البدائيين» أو «قوم إسرائيل» في فلسطين، ما هي إلا بناءات أيديولوجية واهية لا تقف أمام اختبار المنهج العلمي والأدلة الأثرية المادية. *والمؤسف حقًا ليس فقط تعاضد الأكاديمية الاستشراقية الغربية والخطاب الكنسي المروّج لهذه الأساطير، بل تكرار بعض الباحثين والعرب والفلسطينيين لها دون وعي نقدي أو عودة أصلية إلى المصادر*، ما يفرض ضرورة ملحّة لتفكيك هذه الروايات وإعادة كتابة تاريخ فلسطين المادي على أسس علمية رصينة.

المصدر / فلسطين أون لاين