فلسطين أون لاين

إسماعيل أبو دان.. خرج لإنقاذ أطفاله من الجوع فعاد إليهم شهيدًا

...
الشهيد إسماعيل يوسف أبو دان
غزة/ إبراهيم أبو شعر:

كرة القدم لعبة شعبية تحظى باهتمام واسع في المجتمع الفلسطيني، ويتمتع نجومها بمحبة الجماهير التي طالما هتفت لهم واحتفلت بأهدافهم وإنجازاتهم.

لكن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة حوّلت حياة كثير من هؤلاء اللاعبين إلى حكايات مأساوية، بعدما فقدت الرياضة الفلسطينية 1020 شهيدا، بينهم أكثر من 500 لاعب كرة قدم من الأندية الغزية، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

ومن بين هؤلاء النجوم، يبرز اسم الشهيد إسماعيل يوسف أبو دان، المعروف بـ"أبو يوسف"، الذي صنع مسيرة حافلة في ملاعب غزة، وتنقل بين أنديتها، وترك بصمته هدافا ولاعبا متميزا، قبل أن تنتهي حياته أثناء انتظاره الحصول على مساعدات إنسانية شمال مدينة غزة، في ظل الحصار والمجاعة.

من الساحات الشعبية إلى النجومية

وُلد إسماعيل أبو دان في مدينة غزة يوم 16 مايو/أيار 1988، وبدأ مشواره الكروي من الساحات الشعبية وفرق المدارس والمساجد، وهي البيئة التي شهدت بدايات كثير من نجوم الكرة الغزية.

وفي سن السادسة عشرة، انضم إلى فريق ناشئي نادي المشتل، لتبدأ رحلته في الفئات العمرية، حيث برزت موهبته في مركز الهجوم، وأظهر قدرات مميزة في المراوغة والتسديد والتمرير، إلى جانب حسه التهديفي الذي جعله من أبرز لاعبي النادي.

وتدرج أبو دان في فرق المشتل بين عامي 2001 و2010، وشارك مع الفريق في البطولة العربية الدولية للناشئين بالأردن عام 2008، التي حل فيها النادي وصيفا.

وواصل اللاعب تألقه مع الفريق الأول، وأسهم في صعود المشتل إلى دوري الدرجة الممتازة موسم 2010-2011، كما توج معه ببطولة أسطول الحرية لأندية مدينة غزة، وحصل على لقب الهداف.

وفي عام 2012، بلغ مع المشتل نهائي كأس قطاع غزة، لكنه خسر أمام شباب رفح في المباراة التي أقيمت على ملعب اليرموك، ليكتفي بالوصافة.

 رحلة بين الأندية والألقاب

في عام 2013، انتقل أبو دان معارا إلى نادي الصداقة، المعروف حينها باسم الجمعية الإسلامية، خلال الفترة التي تولى فيها المدرب الراحل نايف عبد الهادي قيادة الفريق.

وخاض لاحقا تجربة مع غزة الرياضي تحت قيادة المدرب محمود زقوت موسم 2016-2017، قبل أن ينتقل إلى خدمات الشاطئ في الموسم التالي، حيث توج معه ببطولة الكرة الشاطئية عام 2018، بعد الفوز على الهلال بنتيجة 5-4، وسجل ثلاثة أهداف في المباراة.

وانتقل في العام نفسه إلى نادي التفاح بقيادة المدرب توفيق الهندي، ثم ارتدى قميص الجلاء موسم 2018-2019 تحت قيادة المدرب جهاد السدودي، وأسهم في صعود الفريق إلى دوري الدرجة الممتازة للمرة الأولى في تاريخه.

وكان أبو دان على قدر التحدي، بعدما وعد مدربه بالمساهمة في تحقيق الصعود، لينجح الفريق في بلوغ هدفه، ويترك اللاعب بصمة في واحدة من أهم محطات النادي.

وتُوج أبو دان بجائزة أفضل لاعب في دوري الدرجة الأولى، وفق استفتاء موقع الأقصى الرياضي موسم 2019-2020، قبل أن ينتقل إلى ناديي الزيتون وبيت حانون الأهلي، الذي نال معه لقب الهداف موسم 2020-2021.

وفي الموسم التالي، انتقل إلى أهلي النصيرات، وأسهم في صعوده إلى دوري الدرجة الأولى، كما توج هدافا لدوري الدرجة الثانية في فرع الوسطى والجنوب، قبل أن يعود إلى نادي التفاح موسم 2022-2023 بقيادة المدرب صادق لولو.

 لاعب بأخلاقه قبل أهدافه

لم تقتصر مكانة أبو دان على ما قدمه داخل الملعب، بل عُرف أيضا بأخلاقه ومواقفه الإنسانية مع زملائه، الذين احتفظوا بذكريات كثيرة عن شخصيته ومبادراته.

ويؤكد محمد السدودي، نجم نادي الشاطئ ومنتخب فلسطين للكرة الشاطئية، أن رحيل أبو دان شكّل خسارة كبيرة لزملائه، مشيرا إلى تميزه ومثابرته وحرصه على مساندة الآخرين.

ويستذكر السدودي مبادرات الشهيد خلال المناسبات الاجتماعية للاعبين، إذ كان يبادر مع عدد من اللاعبين الكبار إلى جمع الأموال لمساعدة زملائهم، والوقوف إلى جانبهم في ظروفهم المختلفة، خصوصا مع تفاقم الأوضاع المعيشية خلال الحرب.

وتعكس هذه المواقف جانبا من شخصية أبو دان، الذي لم يكن مجرد مهاجم يبحث عن الأهداف، بل لاعبا حريصا على علاقاته بزملائه، ومؤمنا بأهمية التضامن في مواجهة الظروف الصعبة.

استشهاد أثناء البحث عن لقمة العيش

في 22 يونيو/حزيران 2025، استُشهد أبو دان أثناء انتظاره الحصول على مساعدات شمال مدينة غزة، في مرحلة اشتد فيها الحصار وتفاقمت المجاعة التي عانى منها سكان القطاع.

لم يكن أبو دان في ذلك اليوم يبحث عن هدف جديد أو بطولة يضيفها إلى سجله، بل كان يسعى، مثل آلاف الشبان الفلسطينيين، إلى توفير الطعام لأطفاله، بعدما دفعتهم الظروف القاسية إلى البحث عن لقمة تسد جوع عائلاتهم.

خرج اللاعب الذي اعتاد الركض خلف الكرة وصناعة الفرحة لجماهيره، محاولا حماية أطفاله من الجوع، لكنه لم يعد إليهم، تاركا خلفه أسرة فقدت معيلها، وزملاء فقدوا رفيقا عرفوه بأخلاقه، وجماهير خسرت واحدا من لاعبيها.

انتهت حكاية هداف غزي صنع اسمه بين الأندية، وأسهم في تحقيق الإنجازات، قبل أن تطاله الحرب في أثناء سعيه إلى أبسط مقومات الحياة.

لم يعد "أبو يوسف" حاضرا في تشكيلات الأندية، لكن أهدافه وإنجازاته ومواقفه ستظل جزءا من ذاكرة كرة القدم الفلسطينية. وتبقى قصته شاهدا على مأساة الرياضيين في غزة، الذين لم يفقد كثير منهم ملاعبهم وأحلامهم فحسب، بل فقدوا حياتهم أيضا، بينما كانوا يحاولون النجاة بأنفسهم وعائلاتهم من ويلات الحرب.

c6c4b372-e949-490c-8bfb-89416222c0ca.jpg
 

المصدر / فلسطين أون لاين