لا تزال تداعيات سوء التغذية تلاحق أهالي قطاع غزة، على الرغم من مرور أكثر من عام على توقيع وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، نتيجة عدم إدخال المواد الغذائية الأساسية اللازمة، واقتصار إدخالها بشكل لا يلبي الاحتياج، وعدم وجود الأدوية والعلاج الكافي لعجز المنظومة الصحية بفعل تدمير المستشفيات ومنع دخول الأدوية.
وأفادت وزارة الصحة في قطاع غزة بأن 466 مواطنا بينهم 157 طفلا توفوا من جراء سوء التغذية والتجويع منذ عام 2024 محذرة من استمرار تعرض أكثر من 1.4 مليون شخص لخطر الأزمة الغذائية حتى نهاية 2026.
جاء ذلك في بيان أصدرته الوزارة أول أمس بمناسبة يوم الأغذية العالمي الموافق 16 أكتوبر تشرين الأول من كل عام، سلطت فيه الضوء على تداعيات نقص الغذاء على الأطفال والحوامل وكبار السن في القطاع.
وأوضحت الوزارة أنها سجلت 158 ألفا وحالة واحدة من سوء التغذية الحاد لدى الأطفال دون سن الخامسة منذ عام 2024 وحتى آب/ أغسطس 2026، وأضافت أن من بينهم 28 ألفا و716 طفلا يعانون سوء تغذية حادا شديدا يهدد حياتهم، في حين يعاني 12.2% من الأطفال التقزم، وتتوقع الوزارة حاجة 74 ألفا و200 طفل إلى علاج من سوء التغذية الحادة حتى إبريل نيسان 2027.
عائلة كاملة تعاني
بعد معاناته سوء التغذية توفي الطفل يوسف عبد الرحمن مطر (7 سنوات) في 15 مارس/ آذار 2026، إذ تضررت صحته بشكل كبير بسبب المجاعة التي فرضها الاحتلال على الأهالي بين شهري مارس/ آذار حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2025، إذ تدهورت حالة الطفل بشكل كبير، وبالرغم من دخول أصناف من الغذاء فإن غلاءها الكبير وتدهور المنظومة الصحية حالا دون تحسن حالته.
وإضافة ليوسف عانى شقيقه أمير (5 سنوات) سوء التغذية، وتحكي والدتهما لصحيفة "فلسطين": "قبل الحرب كان يعاني يوسف شللا دماغيا، لكن كان نموه طبيعيا وكنت أطحن له الطعام ويتناول وجبات من اللبن وشوربة وبطاطس مهروسة وغيرها من الطعام، وأشكالا متنوعة من الفواكه، أما خلال المجاعة والحرب فلم يكن يأكل سوى الخبز والشاي، فبدأ وزنه بالتناقص من 17 كغم انخفض حتى أصبح بوزن 7 كغم، وبدأ شعرهم الأشقر يأخذ اللون الأبيض، أما أمير فكان اعتماده على الحليب وفي الحرب انقطع الحليب فتعرض للانتكاسة ووصل وزنه إلى 4 كغم".
ولم تقتصر المعاناة عند الطفلين فأصيبت الأم بسوء التغذية، بعد إنجابها لطفلها سعيد الذي حملت به خلال الحرب، وانخفض وزنها إلى 45 كغم، وبالرغم من محاولة التعافي والتحسن فإنها لا تزال حتى اللحظة على حافة سوء التغذية، إذ يبلغ وزنها 51 كغم.
ومن العلامات التي لاحظتها الأم على أولادها قلة نشاطهم نتيجة نقص العناصر الغذائية، وعدم الرغبة في تناول الطعام، أما الأم فتعاني الصداع والهزال، وبات وجهها شاحبا وليست لها القدرة على تنظيم شغلها الاعتيادي.
وتقول: "لدي ستة أطفال. قبل الحرب لم أقطع الموز والفواكه واللبن عن يوسف لأن سعره كان في متناول اليد، وكنت أهرس كل شيء له عن طريق الخلاط وكانت هناك ثلاجة متاحة طوال الوقت، أما خلال الحرب فزوجي تعطل عن العمل ولم أستطع شراء الغذاء بالشكل الكافي، والأسعار كانت باهظة ولا تزال كذلك".
وفي 22 أغسطس/ آب 2025 أعلنت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية، حدوث مجاعة في قطاع غزة، واستخدم الاحتلال التجويع سلاحا خلال حرب الإبادة بفعل إغلاق المعابر ومنع المساعدات، وسبق ذلك تفشي الجوع في شمال القطاع من جراء منع دخول المساعدات، ما اضطر الأهالي لاستخدام علف الحيوانات. وفي 22 مايو/ أيار 2025 سمحت سلطات الاحتلال بدخول 87 شاحنة مساعدات للمرة الأولى بعد81 يوما من الإغلاق المشدد للمعابر، ولاحقا استمر دخول المساعدات بصورة محدودة.
أما الطفل هاشم أبو مصطفى (عامان ونصف) من مدينة خان يونس، فيعاني سوء التغذية وارتخاء في الأعصاب وحرارة وتشنجات؛ وعندما كان عمره ستة أشهر كان وزنه 7 كغم، وبالرغم بلوغه عامين ونصف العام بقي بالوزن نفسه.
وتحكي والدة الطفل لصحيفة "فلسطين" بأن طفلها كان يعاني تقيؤ الطعام الذي يأكله، وكانت تعوض له ذلك بالحليب العلاجي بالمستشفيات، مشيرة إلى أن مشكلة الطعام لن تتحسن وفق تشخيص الأطباء دون حل المشكلة الصحية التي يعانيها، والتي يحد غياب العلاج وتهالك المنظومة الصحية من حلها.
وأضافت: "ليس معروفا طبيعة المرض الذي يعانيه تحديدا، لكن وضعه سيئ، ولا يتحسن، حتى المضاد الحيوي لم يعد يستجيب له"، لافتة إلى أن الأطباء أخبروها أنه في حال حل مشكلة الحرارة فإنه سيشفى بنسبة 60%".
تداعيات مستمرة
ولا تختلف حال الطفل إبراهيم الشاعر (12 سنة) الذي يعاني سوء التغذية منذ الولادة نتيجة مشكلات في الأعصاب، وانخفض وزنه من 25 كغم قبل الحرب إلى 18 كغم حاليا، عن سابقه.
يقول والده لصحيفة "فلسطين": "قبل الحرب كانت تجرى لطفلي عمليات جراحية بمستشفى المقاصد في القدس وعمليات أخرى في مستشفى غزة الأوروبي لتحرير الحبل الشوكي وتحرير عصب القدم، ويعاني مشكلات في المثانة وقسطرة دائمة أدت لوجود ثلاث حصوات في الكلى التي نزلت للحالب.
خلال الحرب سافر إلى مصر ثلاثة أشهر لكن دون أن تتحسن حالته فعاد إلى غزة ولديه التهابات حادة في المثانة، وعليه يمنع عنه كل الطعام الذي يحتوي على أملاح، وهو يعيش على المسكنات، وبشكل متواصل أصحبه إلى مستشفى ناصر بخان يونس لإعطائه أدوية في الوريد بانتظار صدور تحويلة أخرى لعلاجه خارج غزة".
بدوره، يؤكد رئيس قسم التغذية العلاجية واستشاري طب الأطفال بمستشفى الرنتيسي د. أحمد بصل، أن الأوضاع ما زالت كما هي، وأوضاع الناس تزداد سوءًا، والوضع المالي والاقتصادي سيئ، ويعيشون في خيام مهترئة، والحليب منقطع وسعره مرتفع والآباء لا يعملون والطعام المتوفر معظمه سيئ، فاللحوم مجمدة وغير طازجة وأغلب الأطعمة التي تعبر من المعابر ليست أساسية".
وكشف بصل لصحيفة "فلسطين" أن نسبة حالات سوء التغذية تشغل 70% من أسرة القسم البالغة 10 أسرة، وهي حالات سوء التغذية الشديدة، مبينا أن القسم يبيت فقط الحالات المرتبطة بأعراض مصاحبة لسوء التغذية منذ ثلاثة أشهر قبل قدومه للمشفى، وليست الأمراض المزمنة المصاحبة لسوء التغذية مثل الشلل، وهذه الأعراض مرتبطة بقلة المناعة التي تحدث التهابات وتحدث سوء التغذية.
وأشار إلى أن التداعيات المصاحبة لسوء التغذية، تتعلق بضمور بالدماغ وضعف في النمو وفي التفكير وفي الذكاء، كذلك تؤدي إلى عدم ضخ كميات مناسبة من الدم للجسم، وعليه تنتج التهابات متكررة وانتفاخات وقد تؤثر في الكلى ولا تتم عملية فلترة للسموم ونفخة في البطن والإسهال، وما يترتب على ذلك من نزلات معوية على الكبد والجلد، وعليه يؤثر سوء التغذية في عدة أجهزة بالجسم.