"شو اسمك؟" يسأل مهند ابنة أخيه، فتجيبه: ريفان. وحين يسألها عن والدها، تقول: "بابا أحمد". أسئلة قصيرة تكشف عما بقي في ذاكرة الطفلة بعدما فقدت عائلتها تحت الأنقاض؛ أسماء تحفظها وصور تتعرف إليها، وغياب لا تستطيع أن تدرك أبعاده كاملة.
كانت ريفان بعمر عام ونصف العام حين استشهد والدها أحمد جنيد، ووالدتها حياة وإخوتها في قصف مدفعي إسرائيلي استهدف مكان نزوح العائلة في جباليا البلد شمالي قطاع غزة. وفي 22 ديسمبر/ كانون الأول 2023. انتُشلت من بين الركام لتصبح الناجية الوحيدة من أسرتها، وتبدأ رحلة رعاية شاقة وسط النزوح وفقدان الاستقرار.
بعد نحو عامين وعشرة أشهر، تعيش ريفان في كنف عمها مهند وجدتها وعمتها وخالتها. وبينما تحاول العائلة توفير احتياجاتها ومرافقتها في سنوات طفولتها، تستعيد الطفلة الصغيرة أفراد أسرتها من خلال صورهم وأسمائهم، وتردد أنها تحبهم وأنهم في الجنة.
نجاة من الركام
يستعيد مهند لحظة القصف، موضحًا أن قذيفتين مدفعيتين أصابتا المكان عند الساعة الخامسة مساءً تقريبًا، ما أدى إلى استشهاد شقيقه أحمد وزوجته وأطفالهما. وعندما أخرجوا ريفان من تحت الأنقاض، كانت تظهر عليها آثار الغبار والرمال ومصابة بجروح.
لم يمهل النزوح العائلة وقتًا لاستيعاب ما حدث. تفرق الأقارب بين منازل معارفهم والمدارس ومراكز الإيواء، ولم يكن مهند يعرف في البداية أين يوجد جميع أفراد أسرته وأين أصبحت الطفلة. وفي اليوم التالي، اجتمعوا في إحدى الجامعات بمدينة غزة، بعد أن تفرقت بهم طرق النزوح.
يقول: مهند إن الأيام الأولى كانت شديدة الصعوبة؛ فقد خرجوا من المنزل بالملابس التي يرتدونها، من دون أن يحملوا مستلزمات ريفان، التي كانت تحتاج إلى الحليب والحفاضات والملابس. ومع ذلك، تمكنوا من تأمين جزء من احتياجاتها من المحال القريبة والأسواق المتاحة في محيط مراكز الإيواء.
رعاية وسط النزوح
لم تكن الصعوبات مادية فقط؛ لدإذ كانت ريفان في عمر ترتبط فيه كطفلة بأمها، وقد وجدت نفسها فجأة من دونها. يروي عمها أنها احتاجت إلى وقت حتى تتقبل وجود أشخاص آخرين يتولون رعايتها، وأنها بدأت تتأقلم تدريجيًا مع جدتها وعمتها وخالتها.
وساعد وجود خالتها التي يرى مهند أنها تشبه والدتها، على بناء علاقة قريبة معها. ومع مرور الأيام، توزعت الرعاية بين أفراد الأسرة، الذين حاولوا تلبية احتياجات الطفلة واحتواءها في ظل ظروف النزوح.
ويقول مهند إنهم أمضوا نحو عشرين يومًا في مراكز الإيواء، قبل أن يوارى أفراد الأسرة الذين استشهدوا الثرى، ثم انتقلوا إلى منزل أحد الأقارب. هناك، واصلوا رعاية ريفان والاهتمام بتربيتها، رغم صعوبة الظروف التي عاشوها.
أسماء لا تغيب
كبرت ريفان، وبقيت تتعرف إلى والدها ووالدتها وإخوتها من خلال الصور. يقول عمها: إنها تطلب أحيانًا كتابة أسمائهم، وتشير إلى صورة والدها قائلة: "هذا بابا أحمد"، كما تتذكر والدتها وإخوتها، وتعبّر عن محبتها لهم.
ويحرص أقاربها على الحديث عنهم أمامها وتشجيعها على الدعاء لهم. ويقول مهند: إنهم يحيطونها بالرعاية، ويحاولون أن تبقى صلتها بأسرتها حاضرة، بالتوازي مع توفير احتياجاتها اليومية.
لكن رعاية ريفان لا تنفصل عن واقع أوسع يواجه أطفالاً فقدوا أسرهم خلال الحرب، ويشير عمها إلى وجود أطفال آخرين في شمال القطاع ووسطه وجنوبه يحتاجون إلى المساعدة، بعدما وجدوا أنفسهم أمام ظروف مشابهة من الفقد والنزوح.
ويوجه مهند نداءً إلى أصحاب الأيادي الخيّرة لمساندة الأطفال الناجين الذين فقدوا أسرهم، وتوفير ما يحتاجون إليه من رعاية ومستلزمات أساسية، في ظل استمرار الأزمة الإنسانية في القطاع.
أما ريفان، التي خرجت من تحت الأنقاض ولم تحمل معها سوى حياتها، فتكبر اليوم بين أقارب يحاولون أن يمنحوها ما فقدته من أمان أسري. تحفظ أسماء أحمد وحياة وإخوتها، وتتذكرهم كلما رأت صورهم؛ وفي تلك الأسماء تبقى حكاية عائلتها حاضرة، فيما تقع على من حولها مسؤولية أن يرافقوها في طفولة بدأت بفقد لا تستطيع بعدُ فهمه كاملاً.




