تحت سقف آيل للسقوط في شمال قطاع غزة، يعيش لاعب كرة القدم يوسف داوود، نازحا في مكانه الجديد، بعد أن فقد أسرته كاملة، إلى جانب والده وشقيقته، إثر تدمير منزلهم فوق رؤوسهم في ديسمبر 2024، أثناء اجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي لمخيم جباليا شمال قطاع غزة.
نزح داوود مجبرًا بعد أن ضاقت به السبل في مدينة غزة، حيث صمد خلال الاجتياح الأول لمحافظة الشمال، واعتُقل لعدة ساعات قبل أن تُفرج عنه قوات الاحتلال الإسرائيلي، لكن في أغسطس 2025، لم يكن يملك خيارًا سوى المغادرة تحت القصف ومن بين الدخان المتصاعد.
كان داوود، البالغ من العمر 34 عامًا قبل الحرب، أحد أمهر اللاعبين وأبرز المهاجمين في قطاع غزة، إذ لعب لعدة أندية أبرزها: شباب جباليا، واتحاد الشجاعية، والصداقة، وأهلي وخدمات النصيرات، وأسهم مع الأخير في الصعود إلى دوري الدرجة الممتازة، وحصل على لقب هداف دوري الدرجة الأولى، وكان يطمح لمراكمة إنجازاته، لكن الحرب أوقفت كل شيء.
يقول داوود لصحيفة "فلسطين": "تلقيت عدة صدمات خلال الحرب، وتذوقت الويلات، بداية بإصابة زوجتي وأبنائي خلال الاجتياح الأول لمخيم جباليا في نوفمبر 2023، حيث أُصيبت زوجتي في قدمها وخضعت لعدة عمليات في مستشفى كمال عدوان، وبعدها نزحنا إلى مدينة غزة، وتمت محاصرتنا في مدرسة صلاح الدين بشارع الجلاء، وجرى اعتقال الشباب وإخلاء سبيل النساء والأطفال، قبل أن يُفرج عنا، ويتركونا نغادر بلا ملابس، في مشهد إذلال بكل معنى الكلمة".
وأضاف: "عدنا إلى ما تبقى من منزلنا بعد الاجتياح الأول لشمال غزة، وعشنا فيه عدة أشهر، قبل أن يعود الاحتلال ويحاصر المخيم من جديد نهاية عام 2024، حيث وُضع روبوت متفجر تحت المنزل، ودُمّر البيت فوق رؤوسنا، واستشهدت على إثر ذلك زوجتي وأبنائي أحمد وحبيبة وجنة، وكذلك والدي وشقيقتي، بينما أُصبتُ أنا وتم انتشالي من تحت الأنقاض".
وتابع داوود حديثه قائلًا: "بعد أن فقدت أسرتي ومنزلي، بدأت رحلة التشريد من مكان إلى آخر لعدم توفر مأوى، وعشت فترة طويلة في حالة من عدم الاستقرار، ورغم كل ما مررت به، لم يتواصل معي أحد من اتحاد كرة القدم أو المؤسسات الرياضية الدولية، ولم يتم السؤال عني أو دعمي معنويًا على أقل تقدير، رغم أنني أمتلك بطاقة لاعب ومعروف في الملاعب".
وأكد داوود أن النزوح من أصعب الأمور التي واجهها خلال الحرب، ولم يكن خيارًا سهلًا بالنسبة له، لكنه اضطر إليه مجبرًا بعد اشتداد قصف الاحتلال لمدينة غزة وعدم توفر مكان للسكن، مشيرًا إلى أن احتياجات الإنسان الأساسية لا تتوفر في أماكن النزوح، مثل عدم نظافة المياه وضيق المكان، إضافة إلى عدم تحمل حر الصيف وبرد الشتاء.
وأكمل داوود حديثه وهو يتألم: "عشنا الأهوال خلال الحرب، وكنت أظن في كل لحظة أن نهايتنا قريبة، وكلما راجعت ذكرياتي لم أتخيل أنني ما زلت على قيد الحياة أو حرًا طليقًا، لكن إرادة الله فوق كل شيء".
ورغم ما تعرض له اللاعب داوود، مما قد يفقد أي إنسان صوابه ويقوده إلى الإحباط بعد خسارة كل شيء في حياته، فإنه لم يفقد شغفه بكرة القدم، ولا تزال لديه العزيمة والإصرار على مواصلة الحياة والعودة إلى ممارسة اللعبة، بل ظهر مؤخرًا في عدة بطولات للساحات الشعبية والأندية، وحصل على لقب أفضل لاعب وهداف، كما ويشارك حاليا ضمن بطولة الألف شهيد مع فريقه نادي غزة الرياضي.
المئات من الرياضيين في غزة فقدوا أحد أقربائهم أو منازلهم، ويعيشون اليوم في الخيام، ومنهم من أُجبر على ترك معشوقته كرة القدم تحت واقع معيشي صعب وحرب غيرت الملامح، لكن عزيمتهم لم تلن، ولا يزال الإصرار على مواصلة المسير حاضرًا لديهم.




