مما تسعى له أي دولة تحتل دولة أخرى، العزف على وتر نظرية "فرق تسد" من خلال استخدام بعض أبناء الشعب ضد البعض الآخر، ولا شك أن كثيراً من خطط كثير من الدول نجحت إلى حدٍ كبير.
وبالعودة لعنوان المقال "ثمن الحرية" هو عنوان رواية كتبها الروائي العربي نجيب محفوظ، التي تم تحويلها إلى فيلم سينمائي، شاهدتُه مؤخراً، يتحدث عن مرحلة الاحتلال البريطاني لمصر، وعن قائد إحدى المجموعات الثورية "أحمد عبد الحفيظ" الذي يُصاب بطلقٍ ناريٍ في أثناء إحدى العمليات، فيُصدر قائد الجيش البريطاني في المنطقة قرارا باعتقاله من المكان الذي ظن أنه فيه، وفق معلومات وردت إليه، فما كان من أحد الضباط المصريين الذي يعمل ضمن طاقم الضابط الإنجليزي، والذي كان يعمل وبشكل سري ضمن فريق الثوار، إلا أن ذهب إلى مكان عبد الحفيظ وأبلغه بالقرار وساعده على الهروب والاستقرار في مكان آمن، والإيعاز لأهل البيت بإنكار أي شيء.
استطاع الضابط الإنجليزي اكتشاف أن الضابط " محمد" يعمل مع" عبد الحفيظ"؛ لأنه لم يكن حاضراً في أثناء فترة مداهمة البيت، فسجنه ليعترف، رفض؛ لجأ الضابط الإنجليزي لحيلة، وهي أنه طلب من الجنود اعتقال أول ستة أفراد يجدهم في الشارع، تم ذلك، وشخصياً ظننتُ أنهم عملوا مع "محمد" في تأمين "عبد الحفيظ، ثم خاب ظني، حين اتضح أن لا علاقة لهم، وأن اعتقالهم وتركهم مع "محمد" بشكل منفرد لمدة ساعة جاء في سياق استخدامهم أداة ضغط على "محمد".
بدؤوا جميعا يطلبون من "محمد" إبلاغ الإنجليز عن مكان "عبد الحفيظ" شارحين ظروفهم المعيشية، إذ كانوا أربعة رجال وسيدتين، ولكل منهم ظروفه، بعد مرور الساعة المحددة بدأ الضابط الانجليزي تنفيذ تهديده بالقتل، بدأ بصاحب العربة، ثم برجل آخر، وأخبر الفتاة الجميلة أنها أعجبته ولن يقتلها وسيأخذها لبيته للمتعة، وشيئاً فشيئاً، وبعد كل عملية قتل لأحد الستة يزداد الضغط على "محمد" ممن تبقى على قيد الحياة.
في لحظة ضعف اعترف "محمد" بمعلومة عن مكان "عبد الحفيظ" لكن الفتاة الجميلة، طلبت منه عدم الإكمال وأنه يجب الصمود، فتفاعل الجميع مع النداء، ثم طلب الضابط الإنجليزي من أحد الرجال المقرر قتلهم وهو مغني، أن يغني، فغنى أغنية وطنية زادت حماسة المقرر إعدامهم، غضب الضابط، فقرر قتله، وفي أثناء الذهاب بـ "محمد" لمنصة الإعدام، بقي الضابط الإنجليزي في مكتبه برفقة ضابط مصري، أخذته الحمية لمقتل أبناء شعبه، فقتله.
الشاهد مما سبق، وهي أن أساليب الغزاة ـ وهذا يحدث في فلسطين ـ تقوم على فكرة استخدام بعض الشعب للضغط على البعض الآخر للكف عن مقاومته، وفق نظرية "فرق تسد" فالبعض المُستخدم الموجود في الرواية موجود في كل زمان ومكان، ويبرر عدم جدوى وفاعلية المقاومة بأن العدو أكبر عدداً وعدة، ولا داعي لمقاومته، والسلامة أهم من الكرامة، فقد كان مما طرحه البعض المستخدم في الضغط على الثائر "محمد " أن سلامة "عبد الحفيظ" ليست أهم من سلامة الناس، وأن مقاومة الإنجليز غير فعالة، فهم أكثر عددا وعدة، وأن لدينا أطفالا وطموحات نريد تحقيقها.
لكن بعد الصبر والصمود، كانت الحرية، وعلم الجميع أن ثمن الحرية ليس سهلاً، فكل شعب يتعرض للاحتلال يجب أن يضحي؛ لأن الغاية النبيلة تستحق الثمن النفيس.
صحيح أن خوف الناس على مصالحهم أمر طبيعي، وأنه يختلف عن الخيانة المقصودة، إلا أن هذا الأمر يحسن المحتل استثماره لتحقيق مآربه.
وهنا نختم بما قاله الشاعر أحمد شوقي:
"وما نيل المطالب بالتمني.. ولكن تؤخذ الدنيا غِلابا".
فاعتبروا يا أولى الأوطان.



